ماذا لو جاء مؤسسو الأديان في عصرنا؟
ضياء الشكرجي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8258 - 2025 / 2 / 19 - 18:47
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
أطرح هذه الأسئلة، دون أن أعطي جوابا نهائيا عليها حاليا، باستثناء بعض الاحتمالات، وأترك للقارئ تقدير ذلك، وسأرتب مؤسسي الأديان التي سأذكرها حسب قِدَمِ كل منها، ابتداءً من أقدمهم زرادشت وانتهاءً بأحدثهم بهاء الله، مارا بمؤسس الهندوسية، ثم بموسى، ثم عيسى، ثم ڠورو ناناك جيناتي، ثم محمد بن آمنة بنت وهب، أو محمد بن عبد الله.
1. لو جاء زرادشت في عصرنا هذا، وليس قبل 5900 سنة، فهل كان سيكون الزرادشتيون، كما اليوم، أكثر من 100 ألف؟ أقول هذا رغم إن الديانة الزرادشتية، ربما هي الأكثر إنسانية ومسالمة، وربما مقبولية بمعايير عصرنا.
2. لو تأسست الهندوسية – ولا نعرف مؤسسها - في عصرنا هذا، وليس قبل أكثر من 4000 آلاف سنة، فهل كان سيكون، كما اليوم، عدد الهندوس، 1,2 مليار؟
3. لو جاء موسى في عصرنا هذا، وليس قبل 3350 سنة،فهل كان سيكون عدد اليهود، كما اليوم، 14 مليون؟ وما قلتهم النسبية إلا لكون اليهودية ليست تبشيرية.
4. لو جاء بوذا في عصرنا هذا وليس قبل حوالي 2600 سنة، فهل كان سيكون، كما اليوم، عدد البوذيين 535 مليون؟ ولو إن البوذية فلسفة أخلاقية وروحية أكثر من كونها دينا سماويا، كما يعبر عن الأديان الأخرى.
5. لو جاء عيسى في عصرنا هذا، وليس قبل أكثر من ألفي سنة، فهل كان سيكون، كما اليوم، عدد المسيحيين 2,4 مليار؟
6. لو أسس ڠورو ناناك جيناتي السيخية في عصرنا هذا، وليس قبل 1500 سنة، فهل كان سيكون عدد السيخ، كما اليوم، 25 مليون؟
7. لو جاء محمد في عصرنا هذا، وليس قبل حوالي من 1400 سنة، فهل كان سيكون عدد المسلمين، كما اليوم، مليارين أو أكثر؟
8. لو جاء بهاء الله في عصرنا هذا، وليس قبل 160 سنة، فهل كان سيكون عدد البهائيين، كما اليوم، حوالي 8 ملايين؟
سؤالي هذا أطرحه، حتى لو لم يأت الذين ذكرتهم أو بعضهم بما يتعارض مع الحقائق العلمية، التي عرفناها في زماننا، بل طرحوا تصورهم اللاهوتي، وأحكام دينهم وحسب. مع إن البهائية بسبب حداثتها نسبيا، هي الأقرب إلى مبادئ العصر، من حداثة وليبرالية ومبادئ إنسانية وعقلانية، لولا إنها طرحت نفسها كرسالة نزلت من المطلق، تألقت آيات جماله، وتنزهت صفات كماله.
نحن نعرف إنه في القرنين الماضي والراهن، قد ظهرت هنا وهناك صرعات دينية، اتبعها بعض الناس، وهذا ما يسمى بالـ sects (بالألمانية زَكتَه Sekte) وجمعها Sekten زَكتَن، وترجمتها إلى العربية بـ(طائفة) ليس دقيقا كل الدقة، فالسَّكْتْ أو الزَّكْتَه هي فرقة دينية محدودة في انتشارها وفي عمرها، فسرعان ما تنتهي، بعكس الأديان الثمانية التي ذكرت أعلاه، ولم نذكر أديانا أخرى قديمة، لعدم وجود وضوح في مؤسسها وتاريخ تأسيسها، كالإيزيدية والكاكائة وغيرها، ولافتقاد هذه الأديان إلى ما يسمى بالكتاب المقدس، كما لم أذكر المندائية، لأنها تعتقد إن تأسيسها كان على يد أول إنسان وأول نبي، ألا هو آدم، والذي ثبت أنه ليس إلا شخصية أسطورية، ولو إن هذا يمكن أن يقال أيضا عن موسى وعيسى ومحمد، لكن هؤلاء لهم تواريخ، يعتقد المؤمنون بها، لولادتهم وبدء دعوتهم وموتهم، علاوة على وجود كتب تنسب إليهم.
لو جاء محمد اليوم، لما اتبعه إلا أعداد ضئيلة، ولما دام دينه إلا عشرات السنين، ثم اندثر ونسي، وهكذا هو الأمر مع موسى وعيسى، بل مع زرادشت وڠورو ناناك جيناتي، وأخيرا ميرزا حسين علي نوري المعروف بـ(بهاء الله).
لماذا أزعم إن هؤلاء ما كانوا ليجدوا إلا أتباعا قليلين، لو كانوا قد جاؤوا في القرن العشرين أو الحادي والعشرين؟ الأديان، خاصة الأديان الكبيرة، جاءت في مرحلة من عمر البشرية، عندما كان الوعي العام لأكثرية الناس، أو لأكثر الأقوام الذين بدؤوا عندهم دعوتهم، أو الذين التحقوا عن قريب بدينهم، وعيا منخفضا جدا نسبة لعصرنا، ففي عصرنا ما كان الناس ليتقبلوا دينا يجعل حق الطلاق بيد الرجل حصرا، كما في الإسلام واليهودية وبعض طوائف المسيحية، ولما قبلوا بأن تقطع يد السارق، ولما قبلوا بتشريع الرق والعبودبة، كما في كل الأديان الإبراهيمية وغيرها، أو تزويج الطفلة بسن ثماني سنوات وثمانية أشهر وثلاثة أسابيع (ما يساوي تسع سنوات قمرية)، بل وبالتمتع حتى بالرضيعة، ولما قبلوا أن تكون حصة المرأة من الإرث نصف حصة الرجل، وقيمة شهادتها نصف قيمة شهادة الرجل، ولكانوا قد رفضوا فكرة شن الحروب لإبادة شعوب تعبد إلها آخر كما في العهد القديم، أو لتدخل تلك الشعوب في دينها كما في القرآن، ولما كنا سنتقبل أن تكون العقوبة على بعض المخالفات بالجلد، وقطع الرأس، والصلب، وقطع السيقان والأذرع من خلاف. ولما تقبلنا فكرة إن أول إنسان الذي أسموه آدم لم يكن إلا قبل أربعة آلاف سنة فقط، ولما كان الناس سيتقبلون أن الأرض هي مركز الكون، وأنها منبسطة، أو أنها وكل ما فيها قد خلقه الله قبل خلقه الكون كله (خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات)، ولما كان الناس سيتقبلون أن الله خلق النور والظلمات قبل خلقه الشمس، إنما خلقها لاستحسانه للنور والظلمة، كما في العهد القديم، وما كان الناس سيتقبلون فكرة أن عظام الجنين خلقت قبل لحمه في رحم أمه (ثم كسونا العظام لحما)، ولما كانوا ستقبلون أن الكون عبارة عن طبقات ثنائية البعدين سميت بالسماوات فوق بعضها البعض كانت تحتاج إلى أعمدة، فأوقفها الله بقدرته من غير أعمدة (خلق السماوات بغير عمد ترونها)، (خلق السماوات طباقا)، ولما وجدنا من انشق البحر له، ولا من تحولت عصاه إلى أفعى، ولا من ضرب الحجر بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، ولما وجدنا من يتحدث في المهد، ولا من يحيي الموتى ويبرئ الأعمى، ويمشي على الماء، ولا من يسرى به من المسجد الحرا إلى المسجد الأقصى، ثم يعرج به إلى السماء، ولما وجدنا من يرمى فيه في النار فلا يحترق. ما كنا سنجد من يتحدث إليه الله ويتحدث هو بالمقابل إلى الله، كما يتحدث إنسانان إلى أحدهما الآخر، ولما شهدنا من تلد من غير أن يمسها بشر، أو يزرع في رحمها جنين، أو تدخله الحيامن الذكرية بأي وسيلة، ثم تنجب وتبقى على بكارتها، ولا من تنجب بعدما بلغت سن اليأس، وبعدما أصبح زوجها عقيما أو حتى عاجزا جنسيا. لو كان أحد قد جاءنا بما يدعى به أن جاء به هؤلاء، لما كان منا من يصدقه، بل لسخر أكثر الناس منه باستثناء قلة ضئيلة غير عاقلة.
لكن من سوء حظ البشرية أن كلا من هؤلاء قد جاء، والوعي العام منخفض إلا عند قلة ضئيلة، ثم جاءت مرحلة التوارث والاتباع من غير تدبر، فأصبح الناس يتوارثون هذه العقائد، رغم ارتفاع منسوب الوعي العام، من غير أن يتبروا ما يرثونه، بينما هم أنفسهم، لو لم يكونوا يعرفون الأديان التي فتحوا أعينهم عليها، ودعوا إليها اليوم، لما صدقوها أبدا؟ لكن من المنطق إن كل ما لا يطابق الواقع، لا يمكن أن يبقى مُصَدَّقا به إلى الأبد، مهما طال عمره، فآلاف السنين لا تساوي شيئا نسبة إلى عمر الإنسان على كوكب الأرض، ثلاثة آلاف سنة لا تساوي إلى 1% من الـ 3000 آلاف سنة، عمر الإنسان الحديث.
19/02/2025