جولة للبحث عن مفهومي الحقيقة والحرية في قارة الفلسفة (الجزء السابع والتسعون)
أحمد رباص
الحوار المتمدن
-
العدد: 8278 - 2025 / 3 / 11 - 04:53
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
" أنا التي هي نحن، ونحن التي هي أنا"
إن فهم القسم ب ("التحقيق الفعلي للوعي الذاتي العقلاني بذاته") من الفصل الخامس ("اليقين وحقيقة العقل") من كتاب " فينومينولوجيا الروح" يتطلب منا أن نأخذ الأمور في اللحظة التي يفترض فيها هيجل، في نهاية الصفحات التمهيدية للفصل الرابع ("حقيقة اليقين الذاتي")، وقبل القسم أ الشهير من هذا الفصل ("وجود وعدم وجود الوعي الذاتي في حد ذاته؛ السيادة والعبودية")، أن "مفهوم الروح حاضر لدينا بالفعل" (261/108). ثم يضيف:
"ما سيأتي لاحقا في ما يخص الوعي هو تجربة ماهية الروح، هذه المادة المطلقة التي هي، في الحرية والوجود بذاتها التي تتحقق من خلال المعارضة التي تحتويها، أي معارضة أوجه الوعي الذاتي المتنوعة باعتبارها لأجل ذلتها، بمثابة وحدتها: أنا التي هي نحن، ونحن التي هي أنا" (261-262/108).
"Ich, das Wir, und Wir, das Ich ist": عبارة يمكن ترجمتها بتحولها إلى"أنا التي هي نحن، ونحن التي هي أنا". لكن من الضروري التأكيد على العنف الذي يفرضه هذا التحول في العبارة على قواعد اللغة: فهو يتطلب أن نقول بدلاً من ذلك "ein Ich , das Wir sind, und ein Wir , das Ich bin"، أي " أنا التي نحن نكون ونحن التي أنا أكون"، علما بأن هذه "الترجمة" المناسبة لتصحيح نحوي للنص الأصلي لهيجل هي ما اقترحه إتيان باليبار في أحد النصين اللذين خصصهما لدراسة هذا الدافع الهيجلي تحت عنوان "هيجل: كلمة الروح".
الصيغة التي تبناها هيجل - "Ich, das Wir, und Wir, das Ich ist" - تؤدي إلى جوهرانية* أو جوهرية Ich و Wir من خلال استخدام الفعل كان ( sein ) مصرّفا إلى الشخص الثالث المفرد ( ist ) بدلاً من الشخص الأول في المفرد (bin) والشخص الأول في الجمع (sind). هذه الجوهرية ترتبت عن السياق نفسه، ما دام أن هيجل على وجه التحديد بصدد تحديد طبيعة الروح وتبيان كيف أنها هذا "الجوهر المطلقة" الذي يحرر في داخله التعارض بين أشكال الوعي الذاتي المفردة في تنوعها وتعددها، والتي توحد في الوقت نفسه هذه الأشكال ذاتها من الوعي الذاتي. بعبارة أخرى، هي ذاتها التي يستخدمها هيجل هنا، تكون الروح هي الجوهر المطلق الحاضر بما هو كذلك سواء في تنوع أوجه "أنا" المستقل بعضها عن بعض (حتى التضاد بينها) أو في وحدة أو توحيد اوجه "أنا" هاته في "نحن" واحدة. هكذا حدد هيجل هنا منذ البداية الروح باعتبارها الوحدة ذاتها لتنوع أوجه "أنا" واتحادها في الـ"نحن" وإن كانت بنفس القدر أوجه "أنا" متعددة، متنوعة وحتى متعارضة في ما بينها.
انطلاقا من هذا الولوج "إلى نهار الحضور الروحي"، أي من هذا "الظهور" الحقيقي الأول للروح في نص "فينومينولوجيا الروح"، نُحال، من خلال النص نفسه، إلى الصيغة الشهيرة للمقدمة: "ما يتوقف عليهكل شيء [...] ليس إدراك الحقيقة والتعبير عنها كجوهر ، بل إدراكها والتعبير عنها بقدر ما هي ذات" (91/18). الجوهر المفهوم على أنه ذات "بقدر ما" هو جوهر، هو الروح - وهو ما يعبر عنه هيجل بعد ذلك بقليل في نص المقدمة بالطريقة التالية: "كون الجوهر ذاتا بالأساس ذلك ما تم التعبير عنه في التمثل الذي ينص على المطلق باعتباره روحا - أسمى المفاهيم" (98/22). هذه الصيغ معروفة تماما، و"ما هو معروف تماما بشكل عام، بسبب كونه معروفا تماما، غير معروف" (105/26). يتعلق الأمر إذن، بالنسبة إلى قارئ هيجل بشكل عام و"فينومينولوجيا الروح" بشكل خاص، بإعادة الاستيلاء في كل مرة على هذه الصيغ المعروفة المتعلقة بالجوهر الذي هو "بقدر ما" ذات أو بالجوهر الذي هو "ذات بالأسلس". لكن "كلمة روح"، المرتبطة ب"أنا" هي "نحن" وب"نحن" هي "أنا"، يمكنها على وجه التحديد أن تسمح بمثل هذا الاستيلاء المعاد: التمكن من فهم أن "نحن" يمكن أن تكون "أنا"، وأن "نحن" يمكن أن تكون "نحن" التي أنا أكون بالتحديد دون أن أتوقف عن أن أكون "أنا" (حتى وإن كنت حينها أنا حقا)، وعلى العكس من ذلك، أن "أنا" يمكن أن تكون "أنا" التي نحن نكون، يعادل التمكن من فهم كيف يمكن للجوهر ("نحن") أن يكون ذاتا (="أنا") بقدر ما تكون جوهرا ("نحن"). إن فهم كيف يمكن لـ "نحن" أن يكون "أنا" دون أن يتوقف عن كونه "نحن"، وعلى العكس من ذلك، كيف يمكن لـ "أنا" أن يكون "نحن" دون أن يتوقف عن كونه "أنا"، يعني الوصول إلى فهم ما هي الروح على وجه التحديد كقوة قادرة على توحيد تنوع "أنا" ووحدة "نحن"، أو قادرة في ذاتها على تحديد الفرق بين سائر أشكال "أنا" المفردة وهوية "نحن" المشتركة .
ولكن من المناسب أولاً أن نتذكر بإيجاز السياق الذي جاء فيه هيجل ليقترح هذه الصيغة الأولى لما هي الروح، " أنا التي هي نحن ، ونحن اليي هي أنا". إن سياق الصفحات الممهدة للفصل الرابع، "حقيقة اليقين الذاتي"، هو سياق ما نسميه اليوم نظرية ظهور الوعي انطلاقا من الحياة أو الحي: ففي هذه الصفحات القليلة المعقدة للغاية، الأمر الذي يكون على المحك هو الانتقال من الطبيعة أو الحياة إلى العقل. لنوضح أن هذا ليس انفصالاً كاملاً عن الحياة، ولا قطيعة كاملة مع الحياة، كما سيوضح القسم التالي مباشرة - "القوام الذاتي واللاقوام الذاتي للوعي الذاتي؛ "السيادة والعبودية" - حيث يظهر أحد أشكال الوعي على وجه التحديد إلى أي مدى يظل مرتبطا بالحياة، بينما يعتقد شكل آخر أنه يستطيع الانفصال عنها، ولكن فقط من خلال وساطة تضمنها الوساطة السابقة، التي سيتظاهر بعدم رؤيتها. بالنسبة إلى هيجل، يتعلق الأمر بالوصول إلى مفهوم "الوعي الذاتي الحي" (261/108)، ومن وجهة النظر هذه، فإن العلاقة بين "أنا" و"نحن"، عندما يتم تناولها في نهاية المقطع، هي بمثابة إعادة صياغة لعلاقة الكائن الحي المفرد بالحياة بشكل عام، أي بالحياة باعتبارها "نوعا".
---------------------------------
(*) تتمثل الجوهرانية في الاعتقاد بوجود جوهر حقيقي ثابت بوصفه “مقوِّمًا أساسيًا لشخص أو شيء معين” (Fuss, 1995). يُردّ هذا الفهم التقليدي للجوهر إلى الفكر الأرسطي والديكارتي اللذين احتل لديهما مفهوم الجوهر مكانة خاصة واعتقدا أن المعرفة ليست سوى تحديد للأنواع وربطها إلى الجواهر الثابتة التي لا تحتاج إلى برهان.
(يتبع)
نفس المرجع