ما هي العبرمناهجية؟ رؤية عامة حول وجهات النظر المختلفة (2/2)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8248 - 2025 / 2 / 9 - 00:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

في تزامن مع ما قام به بياحي، بلور إريك يانتش تعريفه للعبرمناهجية الذي أضفى عليه معنى اجتماعيا قويا (كلاين، 2014). بالفعل، أراد جانتش أن يعطي الجامعة دور المؤسسة التي تتفاعل مع الدوائر السياسية والصناعية من أجل التخطيط لتصاميم المجتمع، من خلال تسهيل، من بين أمور أخرى، إرساء تقنيات جديدة (يانتش، 1972). كان هذا الموقف بمثابة نقد للمقاربة المحدودة للعلوم بالنظر إلى الأزمات الاجتماعية في بعض التخصصات (خاصة الرياضيات والفيزياء) التي تميل إلى تبني صيغ وصفها بأنها "إمبريالية" (شولتز وستاينر، 2015).
بالنسبة إلى يانتش، فإن العبرمناهجية هي التركيبة الأكثر تعقيدا وتجريدا للتخصصات، والتي تتجاوز تعدد التخصصات، والبيمناهجية (برنشتاين، 2015). اقترح التعريف التالي: "تنسيق جميع التخصصات والتخصصات المتشاركة في نظام التعليم/الابتكار على أساس بديهية معممة (المقحمة انطلاقا من المستوى المقاصدي) ونموذج إبستيمولوجي ناشئ" (يانتش، 1972، ص: 16). من هنا يمكننا أن نستنتج من موقف يانتش أن العبرمناهجية تعمل كمقاربة فكرية غايتها فتح العالم الأكاديمي على الرهانات السوسيوسياسية، البنيوية والسوسيوثقافية للمجتمع من خلال خلق التنسيق بين جميع التخصصات والتخصصات المتشاركة في منظور عملي وقابل للتطبيق.
وعلى غرار معاصره بياجيه، استهدف أندريه ليشنروفيتش الوضعية باعتبارها السبب في تعميق العلم من خلال "مجال الظواهر القابلة للملاحظة التي اختارت أن تهتم بها" (ليشنروفيتش، 1980، ص؛ 23). مثل يانتش، عترف أيضا بإمبريالية التخصصات الجامعية. ومع ذلك، قطع ليشنروفيتش مع التتحديدات والتوصيفات التي رأيناها سابقا من خلال اقتراح "ارتباط متبادل كوني" (كلاين، 2014) مترسخ في الرياضيات.
كان هدفه من ذلك تطوير بنية مشتركة يمكنها "بنفس النموذج الرياضي (التشاكلية) التعامل مع تخصصات من طبيعة مختلفة جدا، لكنها تخضع لنفس القوانين" (ليشنروفيتش، 1980، ص: 22). ورغم أصالة مقاربته، لم يجذب انتباه الباحثين الذين واصلوا التفكير في العبرمناهحيية. تصادى هؤلاء مع كتابات بياجيه أو يانتش، لكنها اعترفوا بالمساهمة الفكرية لأندريه ليشنروفيتش (بيرنشتاين، 2015؛ كلاين، 2014؛ مينور-كوريفو، 2013؛ مولالي وآخرون، 2016؛ نيكولسكو، 2008؛ بياجيه، 1972).
2- الموجة الثانية: التجسيد والتصلب
الموجة الثانية هي موجة تجسيد ومأسسة الفكر العبرمناهجي ما أدى من بين أمور أخرى إلى إنشاء المركز الدولي للبحوث والدراسات العبرمناهجية، تبعا لأعمال إدغار مورين وباسارب نيكولسكو بالإضافة إلى الاهتمام بالمقاربة الوظيفية للعبرمناهجية التي قدمها جيبونز وزملاؤه.
1.2 إدغار موران
أثرت مفاهيم بياجيه ويانتش على أعمال العديد من المثقفين الذين اهتموا بهذا الموقف، مثل إدجارد موران، الذي يرى أن العبرمناهجية ضرورة في البحث المعاصر (لو بلوش، 2002). اقترح موران إصلاح الفكر بحيث يتطور إلى شكل معقد، يعتمد على الثورتين الكوانطية والنسقية. لقد هزت الأولى مفهومنا للواقع، بينما جلبت الثانية مقاربة متعددة التخصصات أدت إلى تقليل الفجوات بين التخصصات، ما سمح بالتفكير المعقد (جارسيا، 2014).
وضع موران الأسس لتحول الجامعة بدافع من هذا التفكير المعقد بالإضافة إلى "حلقة العلوم" التي وضعها بياجيه. تمثلت هذه الأخيرة في ما أسماه موران "العُشر" الذي تشارك فيه كل جامعة من خلال تخصيص جزء من مناهجها الدراسية للتدريس متعدد التخصصات (موران، 1998). سمحت هذه الحلقة المتكررة، من بين أمور أخرى، بإعطاء العلوم الإنسانية أساسًا في الفيزياء مع تتبع أصول هذا التخصص باعتباره منتجا تاريخيا-أنثروبولوجيا -اجتماعيًا.
2.2 باساراب نيكولسكو
يعرف باساراب نيكولسكو العبرمناهجية بأنها "ما يكون بين التخصصات، وعبر التخصصات المختلفة وخارج أي تخصص" (نيكولسكو، 1996، ص: 27). فعلا، بالنسبة إليه، "تشمل التعددية التخصصية اندماجا عرضانيا للمعرفة يتجاوز إطار التخصصات" (مينور كوريفو، 2013، ص: 79). رفع القطيعة بين العلم والثقافة، وهما مجالان كانا في الأساس غير منفصلين، وقد أصبحا الآن كيانين منفصلين (جارسيا، 2014). وذكر نيكولسكو إلى أي مدى يشكل العلم التقني خطراً في ما يخص العولمة واختفاء البشرية (نيكولسكو، 1996). ربط نيكولسكو أيضا بين العبرمناهجية والثورة الكوانطية، وهي ثورة في مجال الفكر، من نتاىجها أنها أدت إلى اختفاء مظهر وحدة الواقع لصالح وقائع متعددة ولا نهائية، وهو ما يمكن أن نسميه اللاحتمية العلمية. أمام هذه الملاحظة، تبرز العبرمناهجية كإمكانية للحوار بين مستويات الواقع المختلفة. يستخدم نيكولسكو مثال المستويات الثلاثة للواقع التي وضعها هايزنبرغ (1998): واقع الفيزياء الكلاسيكية، واقع الفيزياء الكوانطية وواقعها اللانهائي، فضلاً عن واقع التجارب الدينية والفلسفية والفنية. بالنسبة لنيكولسكو، ينبغي أن تكون غائية العبرمناهجية فهم العالم الحالي، فهم من متطلباته وحدة المعرفة في احترام المستويات المختلفة للولوج إلى الواقع.
اقترح أيضا منهجية للعبرمناهجية تنقسم إلى ثلاث مسلمات. أولاً، تقتضي المسلمة الأنطولوجية وجود مستويات متعددة لواقع الموضوع ومستويات مختلفة لواقع الذات. في حين تؤكد المسلمة المنطقية على الانتقال من مستوى من الواقع إلى مستوى آخر من الواقع يتم تنفيذه من خلال منطق الثالث المشمول، الذي تم تصوره سابقا من قبل لوباسكو (1987، نقلاً عن باسكييه، 2017). إن الثالث المشمول هو منطق التماسك الذي يجعل من الممكن ربط المستويات المختلفة للواقع بفضل تطور الفيزياء الكوانطية. وهو يعارض منطق الثالث المرفوع الذي روج له المنطق الكلاسيكي. وهذا يفترض أن هناك احتمالين فقط (صواب أو خطأ، أو، لاستعارة نيكولسكو، A أو -A). أما الثالث المشمول فهو القيمة الثالثة التي تطلق الحوار بين القيم وتصف التماسك بين كل مستويات الواقع من خلال عملية تكرارية. فهو يخلق معرفة مفتوحة لا نهاية لها. وأخيرا، المسلمة الإبستيمولوجية التي هي البنية الناتجة عن مجموعة مستويات الواقع التي تظهر في معرفتنا بالطبيعة، بالمجتمع وبأنفسنا، كنسق معقد. وهذا لن يمر دون أن يذكرنا بالفكر المعقد لدى موران. كل مستوى هو ما هو عليه لأن المستويات الأخرى موجودة في نفس الوقت (نيكولسكو، 2011). مجموع هذه المسلمات يمثل إذن "تعريفا صارما ومستقرًا لما تعنيه العبرمناهجية" (باسكير، 2017، ص: 5). وبهذا يعزز نيكولسكو العبرمناهجية التي تتجاوز إلى حد كبير حدود التخصصات وحتى الحقائق المدركة. ويهدف ذلك أيضا إلى التوحيد لأنه لا يستبعد أي شيء ويعيد الناس إلى قلب الممارسة. ومن ثم فإن العلرمناهجية ستكون إنسانية في جوهرها.
3.2 ميثاق العبىمناهجية
كان إدغار موران وباساراب نيكولسكو من حاملي لواء الفكر العبرمناهجي من خلال كتاباتهما، ولكن أيضا من خلال أفعالهما. إنهم مسؤولون عن الخطوات الأولى نحو تجسيد المؤسسات العلرمناهجية. شارك المثقفان في تأسيس سيريت(CIRET)، الذي لا يزال نيكولسكو رئيسا فخريا له. وقد أدى عمل سيريت إلى إنشاء ميثاق العبرمناهجية، الذي تبناه حوالي ستون مشاركً في المؤتمر العالمي الأول للعبرمناهجية المنعقد في دير أرابيدا، بالبرتغال، سنة 1994 (جارسيا، 2014). وكان كل من إدغار موران، وباساراب نيكولسكو، وليما دي فريتاس أعضاء في اللجنة التي وضعت هذا الميثاق (دي فريتاس وآخرون، 1994).
المرجع: https://www.erudit.org/fr/revues/enjeux/2023-v10-n1-enjeux07927/1098697ar/