التسامحُ الدينيُّ ومكافحةُ خطابِ الكراهية


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8255 - 2025 / 2 / 16 - 12:06
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

Facebook: @NaootOfficial
تشرّفتُ أمسَ الأول بإدارة جلسة مائدة مستديرة عنوانها: "التسامح الديني في مصر… فرصٌ وتحديات"، ضمن أنشطة "البرنامج الوطني لمكافحة التطرف والاستقطاب الفكري" الذي أطلقه "مجلس الشباب الوطني" بقيادة الدكتور "محمد ممدوح"، الرمز الوطني المُشرِّف، بهدف تعزيز قيم التسامح والاعتدال بين الشباب المصري، صُنّاع غد مصر المشرق بإذن الله. واستضافت ا. "ريهام الشافعي" منسقة البرنامج، لهذه الجلسة نخبة من عقول مصر الوطنية من جميع التخصصات المختلفة المعنية من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، وممثلين عن المؤسسات الدينية: (الأزهر الشريف، الكنيسة بطوائفها)، وممثلي منظمات المجتمع المدني، وخبراءَ قانونيين وإعلاميين، وباحثين وأكاديميين متخصصين في الدراسات الدينية والاجتماعية. جاءت هذه المائدة الحوارية الثرية، استجابةً لتوصيات "الاستعراض الدوري الشامل" بجنيف UPR، المتعلقة بتعزيز قيم التسامح الديني وحماية حقوق الأقليات في مصر، وتنفيذًا لأهداف البرنامج الوطني لمكافحة التطرف والاستقطاب الفكري. ونجحتِ الفعاليةُ في صنع حال عصف ذهني ثري حول التحديات التي تواجهنا، والفرص المتاحة لتعزيز قيم التسامح العقدي ووأد خطاب الكراهية، ونشر ثقافة التعايش السلمي.
في كلمتي التقديمية، واتفق الحضورُ معي، قلتُ إننا نحظى اليومَ بقيادة سياسية مستنيرة، أعلن فيها الرئيسُ السيسي، بالفعل لا بالقول، ومنذ يومه الأول في الحكم، أنه لا مجال مطلقًا للتمييز بين المواطنين على أسس عَقَدية، فالجميعُ أمام "واجهة الحقوق والواجبات" سواء. وأثبتَ ذلك في مواقف عديدة، بدأها بدخول الكاتدرائية عشية عيد الميلاد المجيد يوم ٦ يناير ٢٠١٥ لتهنئة الأشقاء المسيحيين في عيدهم، في سابقة تاريخية لم يقم بها رئيسٌ من قبل. والحقُّ أن تلك الزيارة تجاوزت كونَها مجرد تهنئة بعيد، لتغدو رسالةً جسورًا تقول إن حاكم مصرَ لا يمايز بين أبناء شعبه، لأن الوطن لجميع أبنائه مهما تباينت عقائدُهم. فالعقيدةُ شأنٌ خاصٌّ بين الإنسان وربّه، أما الوطن فحاضنةٌ ومِظلّة للجميع. وبالفعل أتت تلك الرسالةُ "العملية" ثمارَها الطيبة خلال العشر سنوات الماضية، فخفُتت الأصواتُ الزاعقةُ الناعقة التي كانت تُحرِّضُ بفجاجة في محاولات مستميتة لشق الصفِّ وتصنيف الناس عقديًّا، لا انطلاقًا من عقيدة؛ بل طمعًا في إضعاف جسد مصر القوي. فإن أردتَ كسرَ شوكة مجتمع، ليس عليك إلا تفكيك أواصره وإنهاك أوصاله بغرس بذور الشتات بين أبنائه، وزرع فتيل الفتن بين طوائفه، ثم تجلس مستريحًا وأنت تشاهد هذا المجتمعَ وقد تهاوى وانهار. وهو ما حاولت صناعتَه محاورُ الشر وجماعةُ الإخوان بعد إسقاطهم. لكن الشعب الذكيّ، والقيادة الحكيمة، فوّتت عليهم الفرصَ. فكان المصريون، بعد كل فاجعة طائفية يقوم بها الإرهابيون، يعودون للتمسك أكثر بخاصرة الوطن، والتضامّ حول اسم مصر الشريف التي لا تقبلُ التمييز والعنصرية. ونعلم جميعًا أن تلك العناصر المريضة مازالت تكمنُ في ظلامها، لا تكفُّ عن محاولات الهدم، وتتحيّن الفرصة تلو الأخرى لكي تُطلَّ بوجهها الدميم وتُشعل الفتن وتنثر بذورها المسمومة في أرضنا الكريمة، لكن وعي الشعب الطيب، ويقظة أجهزتنا الاستخبارتية وبسالة أجهزتنا الأمنية، تئد سعيَهم المذمومَ، وقبل كل هذا رحمةُ الله بأرضنا الطاهرة التي وعد الحقُّ في كتابه العزيز بأن يدخلها البشرُ آمنين: "ادخلوا مصرَ إن شاءَ اللهُ آمنين" (يوسف-٩٩)، مثلما وعد بمباركتها في الكتاب المقدس: “مباركٌ شعبي مصرُ".
في ختام الفعالية، اتفق المشاركون على مجموعة من التوصيات، منها:
مواجهة خطاب الكراهية عبر الإعلام الرقمي والمنصات بإطلاق حملات توعية ومحتوى إيجابي يعزز القيم الإنسانية المشتركة. تعزيز الوعي لدى النشء بأهمية التسامح والمواطنة من خلال المناهج الدراسية والأنشطة. توعية المقبلين على الزواج بأهمية التسامح الديني والمواطنة لضمان بيئة أسرية صالحة. إطلاق حملات توعية في المناطق الأكثر فقرًا لرفع مستوى الوعي بمفهوم التسامح والتعايش السلمي. إنشاء مجلس استشاري من الشخصيات المسيحية والمسلمة والمصريين بالخارج لتعزيز التسامح ومواجهة التمييز على المستوى الدولي. تفعيل مواد الدستور الخاصة بحرية العقيدة والمواطنة المتساوية، والعمل على إصدار تشريعات أكثر وضوحًا لمكافحة التمييز الديني. سنّ قوانين صارمة لمنع خطاب الكراهية في الإعلام التقليدي والرقمي. إبراز التاريخ المشترك بين المسلمين والمسيحيين كنموذج للوحدة الوطنية وتعزيز الانتماء الوطني. إصدار قوانين تنظم حرية الأديان وحماية حقوق الأقليات بما يضمن التعددية الدينية في إطار الدولة المدنية. تفعيل مفوضية لمكافحة التمييز. الاستفادة من تجارب الدول الأخرى عبر إنشاء مجموعات عمل تتواصل مع السفارات والمؤسسات الدولية المتخصصة. رصد الواقع بأمانة وحماية صورة مصر دوليًا بتقديم تقارير شفافة عن جهود الدولة في مكافحة التمييز وتعزيز التسامح الديني.
وأجمع المشاركون على أهمية العمل الجماعي بين المؤسسات الدينية، التشريعية، الإعلامية، والمجتمع المدني لتعزيز ثقافة التسامح الديني في مصر. كما أقرّوا بأن تحقيق المواطنة المتساوية يتطلب جهودًا دؤوبة على المستويين القانوني والمجتمعي لضمان بيئة أكثر احتواءً للجميع، حيث يكون التنوع الديني عامل قوة وليس مصدر خلاف.
***