“خبيئة بيكار- … في صُوانِ طفولتنا


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8234 - 2025 / 1 / 26 - 11:12
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

أن يقف "وزيرُ ثقافة" في دولة عريقة في الفنون الرفيعة والإرث الحضاري الهائل، ويقول أمام حشود المثقفين: “أنا مَدينٌ لهذا الفنان المصري العظيم، ووالدي مَدينٌ له. وكان اسم ذلك الفنان يتردد كثيرًا في بيتنا منذ طفولتي وحتى دخلتُ عالمَ الفنون الجميلة….”، حينما تُقال مثل تلك الكلمات العرفانية الجميلة، في محفل ضخم يُقام على شرف الفن والجمال والميراث الحضاري، فاعلمْ أنكَ في مجتمع راقٍ رصين يُقدَّرُ فيه الفنُّ ويُعلِي صُنّاعُه من شأن عرّابيهم وأساتذتهم؛ خصوصًا حين يكون هذا الوزيرُ فنانًا تشكيليًّا في فنون الحفر والجرافيك، وأكاديمًّيا مرموقًا في كليات الفنون الجميلة محليًّا ودوليًّا هو: الدكتور "أحمد فؤاد هنّو"، وابنًا لفنان تشكيلي في فن التصوير هو الدكتور "فؤاد عبد السلام هنّو". وأما "الفنان العظيم" الذي قدّم له الوزيرُ العرفانَ والتوقيرَ فهو الراحلُ الخالدُ العصيُّ على النسيان: “حسين بيكار"، الرسامُ والموسيقيُّ والشاعر، أو لنقل اختصارًا: هو "الموسوعة الفنية الوطنية: حسين بيكار"
المكان: المسرح الصغير في "دولة الأوبرا المصرية" الجميلة، والمناسبة: عيد الميلاد رقم ١١٢ للعملاق المشرق: "حسين بيكار". الحدث: افتتاح معرض "خبيئة بيكار" ومجموعة من أندر أعماله التي تُعرض للمرة الأولى في "متحف الفن الحديث" بدار الأوبرا المصرية، بعد تطويره وتحديث آليات العرض المتحفي به، ثم عرض الفيلم الوثائقي الخالد: "العجيبة الثامنة" في المسرح الصغير. هذا الفيلم التاريخي النادر الذي فقدته مصرُ أربعين عامًا، ولم يُستعد إلا منذ سنوات قليلة بعد جهود ثقافية مضنية، وهو من إخراج النيوزيلاندي "جون فيني"، والذي يُوثّق حكاية تشييد معبديْ "أبو سمبل"، بالحفر في الجبل Rock-Cut، ثم تقطيعهما ونقلهما، على مدى ثمانية أعوام من الستينيات الماضية، من مكانه الأصلي في "النوبة" إلى مكانه الحالي في مأمن من الغرق بعد بناء السد العالي، فتم إنقاذه في واحدة من أعقد وأصعب عمليات تفكيك الصخور وإعادة تركيبها على نحو هندسي فائق الدقة، عرفها التاريخ، خاصةً حين نعلم أن أحجار المعبدين تجاوز وزنُها ربع المليون طنٍّ في زمن لم يعرف بعد الروافعَ الحديثة ومناشير الليزر الدقيقة ولا برامج الأوتوكاد، بل مجرد قاطعة كهربائية بدائية خُلِّدت بوضعها أمام المصنع الأوروبي الذي صنعها كأجمل دعايا لهذا المصنع. فهي الآلة التي مرّت نصالُها في جسد معبد "أبو سمبل" المصري الخالد. وأما وجه الملك العظيم "رمسيس الثاني" فقد قطّعه منشارٌ يدوي اسمه: "حسن"، تخليدًا لاسم العامل المصري العبقري الذي صنعه وشحذه وقام بتعديل أسنانه، وضبط نتوءاته على إيقاع ملامح وجه التمثال الملكي؛ لئلا يُخدش جمالُه أو تُمسُّ أصالتُه. اعتمدت المادةُ المصورة للفيلم التاريخي، وبشكل كامل، على لوحات فائقة الجمال والحياة، تكاد تنطق وتتكلم وتحكي، رسمتها ريشةُ "بيكار" الخالدة. تلك الريشة التي تخيّلت مراحلَ بناء المعبدين، حفرًا في الجبل، على مدى ٢٠ عامًا في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ثم تُصوِّر مراحلَ قَصِّه وتقطيعه بالمناشير الكهربائية واليدوية ونقله من أسوان، ثم إعادة تركيبه في مكانه الراهن، على مدى ثمان سنواتٍ منذ عام ١٩٦٠ وحتى ١٩٦٨. تلكما معجزتان مصريتان تاريخيتان عالميتان خالدتان، إحداهما وقعت قبل التاريخ بثلاثة عشر قرنًا بأياد مصرية خالصة، والأخرى حدثت منذ ستين عامًا في عهد وزير ثقافة نيّر اسمه الدكتور "ثروت عكاشة"، تكاتفت فيه الأيادي المصرية الشريفة، مع منظمة اليونسكو التي تعني بالحفاظ على الإرث الحضاري والتاريخي العالمي، بالتعاون مع شعوب العالم المتحضر التي تعرفُ قدرَ وقيمة كلِّ حجر صغير في أيّ أثر مصري خالد. معجزتان كبريان دوّنتهما ذاكرةُ الأحجار في معبدين مصريين خالدين، أحدهما: "معبد أبو سمبل" العظيم الذي تتعامد فيه الشمسُ على وجه الملك "رمسيس الثاني" مرتين كلَّ عام: مرةً وقت "الاعتدال الربيعي" والأخرى وقت "الاعتدال الخريفي"، أما المعبد الثاني فقد شيده الملكُ "رمسيس الثاني" هديةً لزوجته الجميلة "نفرتاري" التي قال عنها: “هي التي من أجلها تُشرق الشمس"، في واحدة من أروع وأبهى وأرقى عبارات الغزل والتمجيد في التاريخ، مما قالها رجلٌ لزوجته.
شكرًا للوزير المثقف د. "أحمد فؤاد هنّو" الذي يثبت يومًا بعد يوم أن الإبداعَ لا يحتاج إلى شعاراتٍ، بل إلى خلق مساحة حقيقية للوجود، هو فاعلُها ومحققها. وشكرًا لسلفه العظيم الدكتور "ثروت عكاشة" أحد خوالد مصر الراسخة في ذاكرة الوطن. شكرًا للمهندس الفنان "حمدي سطوحي" الذي قدّم عرضًا مبهرًا وتعليقًا ملهمًا على الفيلم الوثائقي الخالد. وشكرًا لقطاع الفنون التشكيلية وصندوق التنمية الثقافية. شكرًا لدار الأوبرا المصرية العظيمة وباليرينته الجميلة د "لمياء زايد". والشكر لا ينقطع لفارس الريشة "حسين بيكار" أجمل خبيئة في صوان طفولتنا، ذاك الذي استنطق الحجر وقدّم للتاريخ كلَّ هذا الجمال.
***