استهلال كتاب -العقل والثورة-


نايف سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 07:31
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

يتمتع المفكرون الكبار ومنهم ماركوز بسمة ملفتة، وهي القدرة على قراءة أشراط الزمن وعلاماته الكبرى، بالتالي رصد إمكانات العصر السلبية الكامنة.
وكتاب "العقل والثورة" واحدة من هذه القراءات سبقت ببضع سنين مقتل غيفارا سنة 1967 وانتفاضة الطلاب (ثورة الطلاب) في فرنسا سنة 1968.
شكّلَ الحدثان الكبيران علامة على إنهاك الطبقات المتناحرة وأفول المد الثوري الاشتراكي في القرن العشرين.
وكانت العلامة الأخرى التي تحسسها ماركوز هي النتيجة الحاسمة لكتاب لينين "الامبريالية" وما سُمّى بـ "الرأسمالية الاحتكارية"، أي التحام الشركة الاحتكارية (رأس المال الاحتكاري) بميزانية الدولة الرأسمالية الامبريالية وبقوة الدولة. ما خفّض من الحس النقدي لفكر العصر حسب وجهة نظر ماركوز، وهمّد التفكير السلبي ومعه الفكر النقدي والقول النقدي، وبات هيغل موضة فكرية قديمة.
يقول ماركوز في مقدمة "العقل والثورة": "هذه المرحلة التاريخية من التفكير السلبي غيرت موقف الفلسفة وكل تفكير معرفي. فمنذ تلك المرحلة أصبح كل تفكير لا ينم عن وعي بالزيف الجذري لأشكال الحياة القائمة تفكيراً باطلاً" (26)
وكما حدث من قبل في كل الأحوال، فإن "الذات" التي قهرت المادة تعاني (اليوم) من وطأة كشفها الثقيلة، وذلك لأن أولئك الذين يتحكّمون في هذا الكشف ويوجّهونه قد استخدموه في خلق عالم تعمل فيه أسباب الرفاهية المتزايدة في الحياة والقوة المتعاظمة للجهاز الإنتاجي على إبقاء الانسان في حالة عبودية أمام الوضع القائم. أما تلك الطبقات الاجتماعية التي حددتها النظرية الماركسية بوصفها قوى الرفض والسلب (والتجاوز العملي) تقف مدانة عاجزة أمام قوة الوقائع القائمة. إن قوة الوقائع الطاغية هذه هي قدرة الانسان على الانسان وقد بدت كأنها حالة موضوعية معقولة وقدر محتوم.
وضد هذا المظهر البادي، يواصل الفكر الاحتجاج باسم الحقيقة، وكذلك باسم الواقع؛ إذ أن التهديد المستمر بالدمار الذري، وعن طريق "الهدر الامبريالي" وتبديد الموارد على نحو لم يُعرف له من قبل مثيل (راجع: على القادري: الامبريالية والهدر)، وعن طريق الهُزال الفكري، وأخيراً وليس آخراً، عن طريق القوة الغاشمة وطغيان التقنية، هذه هي المتناقضات التي لم تُحلّ والتي تُحدد معالم كل واقعة مفردة، وتقف في وجه احتجاج الفكر، وهي تتغلغل في عالم الفكر النظري والعملي بأسره.
يقول ماركوز في بداية مقدمة الكتاب: "ألّفت هذا الكتاب على أمل أن يُسهم بدور بسيط، لا في إحياء هيغل، بل في إحياء ملكة عقلية يخشى عليها من خطر الضياع، ألا وهي القدرة على التفكير السلبي. إن التفكير كما عرفه هيغل هو في أساسه سلب لما هو ماثل أمامنا على نحو مباشر"، أي نفي وإنكار لما هو معطى لنا مباشرة في الوعي اليومي.
إن طغيان جسدية التقنية أوجد فتنة ولّدت وهما شائعاً وأيديولوجية تقنوية مفادها: إن الطريقة الديالكتيكية في التفكير (التفكير السلبي) أصبحت في يومنا هذا غريبة عن العالم الذي نعيش فيه ومنتمية إلى ماض فائت.
إن القدرة على التفكير السلبي هي الدافع للفكر الديالكتيكي الذي يُستخدم أداة لتحليل عالم الوقائع من خلال رصد ما فيه من نقص باطني. أي هي وعي ممكناته السالبة المُنْكِرة.
وعلى هذا الحكم بالنقص الباطني ألا يقال إلا بعد إنتاج العلم بالواقعة المعاصرة، لألّا يقال عنه إنه حكم قيمة قَبْلي. أي حتى لا يقال إننا نقدم حكماً قبل أيّ إنتاج علميّ بالظاهرة المدروسة.
وقد واجهت مسألة التقنية كل من هايدغر وهبرماس، فكتب هايدغر كتابه: "الفلسفة في مواجهة التقنية" وكتب هابرماس كتابه "التقنية كأيديولوجيا"
ولقد جاء القرآن الكريم بآية تشرح فحوى هذه الفتنة الجسدية بقوله: (ولقد فتنا سليمانَ وألقينا على كُرسيّه جسداً ثم أناب) [ص: 34]
إننا نتحدث هنا عن قدرة السلب وإنتاج الوعي الممكن بالواقعة المعاصرة. وقد تحدّث لوسيان غولدمان في وقت مماثل لوقت ماركوز (1960) في نظرية "البنيوية التكوينية" عن الفارق البالغ الأهمية بين الوعي الممكن والوعي القائم/ الفعلي. تمت مناقشة وتفصيل هذا التمييز في أطروحته الشهيرة ومؤلفاته حول سوسيولوجيا الادب، ومن أبرزها: 1- كتاب "الإله الخفي" الذي صدر عام 1955 وفيه طبّق هذا المفهوم لدراسة الرؤية المأساوية في مسرح راسين وفلسفة باسكال. 2-كتاب "العلوم الإنسانية والفلسفة"، ومقاله النقدي "الوعي القائم والوعي الممكن" المتوفر في المكتبة العربية ضمن كتاب "البنيوية التكوينية والنقد الأدبي" إعداد وجمع وترجمة محمد سبيلا.
وهنا نطرح السؤال الذي يطرحه المترجم العربي في تقديمه لكتاب ماركوز: "هل يحق للمرء أن يرى في هذا التحرر على المستوى الفكري (النظري؛ العقلي) الصرف تحرراً بالمعنى الحقيقي؟ ألا يمكن بنفس المنطق أن نعدّه عكس ذلك ونقول: إنه محاولة للهروب واحتماء بعالم العقل خوفاً من عالم الواقع" ونكون قد فعلنا بذلك ما فعلته المسيحية الرسمية، حين تغلبت هذه المسيحية على التاريخ بالهروب منه إلى ملكوت السموات.
وعلينا هنا أن نشيد بحريّة التأويل العقلي ونستحضر درس الإصلاح الديني البروتستانتي في القرن السادس عشر، ومعه درس القرن الثامن عشر أو "عصر الأنوار" ونستحضر قول الدكتور الطيب بو عزّة في كتابه "نقد الليبرالية" الذي مفاده: "بالعودة إلى القرن السادس عشر سنجد حرية المَلَكة الفكرية للفرد قد تبلورت مع حركة الإصلاح الديني، إذ معها برزت المناداة بإطلاق التفاعل الحر للفرد مع النص المُقدّس وتحريره من سلطة التأويل الكنسي. وتُعد هذه الحركة أول تمظهر لإرادة الحرية المعرفية. ومع ذلك وسواء عند لوثر أو كالفن أو زونجيلي (زونكيلي: المُصْلح الديني في سويسرا. ت 1531) لا نجد للعقل أي تقدير. إن رفضهم لوصاية الكنيسة (الكاثوليكية) على الفرد لم يكن يرادف عندهم إطلاق فعالية التأويل العقلاني، بل كان مُجّرد إطلاق لتفاعل وجداني وشعوري مع النص خارج الوصاية البابوية وتفسيرها الأحادي (الاحتكاري) للنص المقدس" (6)
لقد ركّز عصر الأنوار على التحرير السياسي، فأعلن بذلك الميلاد الفعلي للنظرية الليبرالية السياسية، إذ فيه سيتم تمثّل الفرد ككائن سياسي، والتأسيس لفكرة الحرية الليبرالية كدلالة على إطلاق كينونة الفرد من قيد الاستبداد (وتحريره من احتكار التأويل العقلي). فحرية الفرد يمثلها الفكر السياسي لعصر الأنوار في القرن الثامن عشر بوصفها حق نابع من "طبيعة" الكائن الإنساني. لقد أصبحت الحرية الفردية حق للإنسان برسم ذاتيته الإنسانية.
غير أن ليبرالية القرن التاسع عشر سوف تنقلب على هذا المفهوم، إذ لم تعد الحرية معها سوى حرية الفرد المالك. في انحطاط سريع للمذهب الإنساني البورجوازي بتحويل الفرد من إنسان سياسي إلى مجرد إنسان اقتصادي (أناني) (7)
إن الديالكتيك الهيغليّ هو في أساس دعوة حرية التأويل العقلي، حيث التفكير السلبي يحمل طابع السلب والانكار لكل ما هو قائم، ودعوة نظرية (عقلية تأملية) لتجاوزه، وبين الرفض والانكار النظري من جهة، وبين التجاوز العملي للشروط القائمة (الثورة الاجتماعية) خيط رفيع (شعرة). إن التحرر النظري العقلي يمهّد للتحرر العملي الثوري الاجتماعي. ولا تحرر عملي اجتماعي ثوري من دون نظرية ثورية على قولة لينين الشهيرة في كتابه "ما العمل؟ 1902": "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية"
إن الحرية في كل أشكالها، بما فيها حرية التأويل العقلي وحرية التفكير السلبي، تحمل طابع السلب والانكار لما هو قائم والدعوة إلى تجاوزه إلى عالم عقلي أكثر أمناً وعدلاً وأقل طغياناً واستبداداً وتحكماً بحياة البشر.
إن الدعوة للتفكير السلبي هي دعوة للخروج من فتنة جسدية التقنية إلى عالم الذات الإنسانية الفعّالة، عالم الذات (ذو العرش المجيد* فعّال لما يريد) [البروج: 15-16]، عالم الأفراد ذوي الإرادة المتحدة المهيمنة على شروط عيشهم وإنتاجهم.