الحركة الابراهيمية؛ مقاربة ثقافية


نايف سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 14:11
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

يعود الاختلاف الجوهري بين الإسلام المحمدي والمسيحية الأرثوذوكسية (الكاثوليكية العالمية) المكرّسة بقانون الايمان والقاتلة للهراطقة إلى الاختلاف بين مفهومي البنوّة والنبوّة.
وهو عين الديالكتيك الذي يحكم الصراع والتضاد بين المسيحية المكرّسة والهراطقة. حيث تواطأت الكنيسة الرسمية مع اليهودية الُسنية، ودمجت العهد القديم بالعهد الجديد في كتاب مكرّس معتمد واحد هو الكتاب المقدس Holy Bible. في تضاد مع التيارات الغنوصية التي هاجم قسم كبير منها إله العهد القديم (يهوه) ووصفوه بصفات شيطانية (الديموريج، سيكلاس، الأعمى).
في إعادة بناء التصورات الغنوصية سيظهر القرآن الوارث الأعظم للمهرطقين الكبار، خاصة آريوس ونسطوريوس. ويكون كلام الإسلام العربي القطبة (الوصلة) الشامية العراقية (الآرامية العربية) لعمل المهرطقين المسيحيين الكبار تحت شعار الإله المتعالي المنزّه عن الصفات.
بهذا يظهر الخلاف الجوهري في فهم الديانة المسيحية شرقاً وغرباً (بين تنزيه موحِّد، وتجسيد تعددي مُشرك وثني). هو خلاف بين فكرة التوحيد والظهور والفيض الشرقية (الآرامية العربية القادمة من مصر القديمة ومن أرض الكلدان) والمنسوبة إلى أفلوطين المصري السكندري تلميذ أمونيوس ساكاس (وساكاس تعني الحمّال)، وبين فكرة التجسيد والتثليث المُشركة.
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِه ۚأَفَلَا تَعْقِلُونَ(65) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلَا نَصْرَانِيّاً وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) [آل عمران]
ثمّةَ زعمٌ لاقى نصيباً من الرواج في «الغرب»، ومؤدّاه أن لا فلسفة ولا تصوّف (ولا غنوص) في القرآن، وأنّ الفلاسفة والمتصوّفين لا يدينون للقرآن بشيء.
لقد انضم القرآن إلى الديانات الكتابية (اليهود، النصارى، الزرادشتيون المجوس، الصابئة)؛ صابئة القرآن لا صابئة حرّان وهم الذين يقول فيهم هنري كوربان: «أما الذين تسمّوا بصابئة حرّان فكانوا أقل حظاً"
سيكون لنا أن نتساءل إلى أيّ حد كانت ظاهرة الكنيسة في أشكالها الرسمية على الأقل، شريكة في تسلّط الملكة الوظيفية النفعية (الإمبراطورية الدنيوية) للدين «التاريخي»، وفي تسلُّط المعنى الحَرْفيّ للنصوص؛ «وظيفية» قائمة على انحطاط الإمبراطوريات الغربية اليونانية - الرومانية والذي أدّى إلى الخلط ما بين الاستعارة من جهة وبين والكناية والتمثيل والرمز من جهة أخرى.
في هذا التسلُّط ظهر كما لو كان البحث عن المعنى الروحاني ضرباً من المجازفة (الهرطقة)، في حين أن الأمر يختلف تماماً، فالاستعارة نظرة مسالمة تشبيهية، في حين أن المعنى الروحاني يمكن أن يكون كنائياً ثورياً، وعلى هذا فقد استمر التفسير الروحاني الباطني الغنوصي وتجدّد على هامش الكنيسة الرسمية في الصيغ الروحانية الغنوصية المتنوعة، كالمرقيونية (نسبة إلى مرقيون السينوبي البُنْطُسي (85-160 م))، والديصانية المنسوبة إلى برديصان (154-222 م)، والفالنتينية (نسبة إلى القديس فالنتين 175-273 م). والباسيليدية (باسيليدس ت 161 م)
تُمثل التيارات الغنوصية (العرفانية) في الإسكندرية مزيجاً فريداً من الفلسفة اليونانية والديانات الشرقية والأفكار المسيحية المُبكرة، حيث ازدهرت في القرن الثاني الميلادي كحركات باطنية تهدف إلى نيل الخلاص عبر المعرفة اللدنية (Gnosis) (γνῶσις, gnōsis) عوضاً عن الإيمان النصّي والطقوس الكنسية.
يضاف إلى ذلك مخطوطات نجع حمادي أو مكتبة نجع حمادي، التي هي مجموعة من النصوص الغنوصية التي اكتشفت بالقرب من نجع حمّادي في صعيد مصر سنة 1945 م. وهي مجموعة أناجيل مكونة من 52 نصاً غنوصياً (عرفانياً) مدفونة داخل جرار فخارية. أماط هذا الاكتشاف عن الوجه الآخر للمسيحية المُبكرة، حيث تركز على المعرفة الباطنية (الغنوص) بدلاً من العقائد والممارسات الكنسية التقليدية. ومن أبرز الأناجيل المكتشفة: إنجيل توما التوأم (القرين) (عبارة عن 114 قولاً منسوباً للسيد المسيح)، إنجيل فيليب (يعرض فهماً غنوصياً للأسرار والتجلي الإلهي، ويركز بشكل خاص على دور "مريم المجدلية)، إنجيل الحقيقة (طبيعة المعرفة والخلاص)، رؤيا يوحنا (يشرح نشأة الكون، وسقوط الشرارة الإلهية في العالم المادي، وطرق الخلاص.)، إنجيل مريم المجدلية (تعاليم يسوع السرية التي قدمها لمريم المجدلية وكيفية صعود الروح)
باعتبار الإسلام المحمدي متمِّم للعهد الذي جاء به عيسى (الغانوصري: الغنوصي النصراني حسب تعبير بولغاكوف في رواية المعلم ومرغريتا) ومؤسِّس دولة جديدة للعرب كذرية حاملة لعهد الإسلام (إلّ إسلامي) فهو يركّز على واقعة تأسيسية ما وراء الزمن، يركّز فيها على عملية الخلق والتكوين. (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) [الأعراف: 11]
لا يتركّز الوعي الديني في الإسلام المحمدي على واقعة من التاريخ الدنيوي، وإنّما على واقعة ما وراء التاريخ. ليست واقعة تاريخية بعدية وإنّما هي واقعة «تاريخية» تخيّلية تأسيسيّة. وهذه الواقعة الأولية (البدئية) التي تتقدم تاريخنا التجريبي زمنياً، هي ذلك التساؤل الإلهي الذي يطرحه الله على أرواح الناس الذين سبقوا العالم الأرضي في الوجود (ألستُ بربكم؟) [الأعراف:171] والموافقة الجذلى (بلى) التي تجيب على ذلك السؤال تقيم ميثاقاً أبدياً من الأمانة. وذلك ما يُسمّيه الإمام أبو حنيفة النعمان "بميثاق عالم الذَرّ"، أو "ميثاق الفطرة" [أو عالم الأظلة وبداية الحلقات السريّة] فهو يُفسِّر الآية (172) من سورة الأعراف هذه: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ) [الأعراف: 172]. وما مجيء الأنبياء وتناوبهم في تسلُّم الوحي (وحي أسلافهم) من حقبة إلى حقبة، وتعاقبهم في دورة النبوة إلا للتذكير بالأمانة التي قُطعت لهذا العهد.
يدلّ النص بمعناه التاريخي على الفعل، فإذا كان مجازياً دلّ على الأفكار والمعتقدات وإذا كان أخلاقياً دلّ على الأعمال وإذا كان صوفيّاً دلّ على الآمال. هو نظرية وممارسة (حكمة نظرية وحكمة عملية)؛ علم وعمل.
في (أناثيما: الحرم والطرد الكنسي) للبابا كيرولُّس بابا الإسكندرية التي وضعها ضد هرطقة نسطور نقرأ إعلان الايمان الارثوذوكسي حسبما تراه كنيسة الإسكندرية معروض بأسلوب اعتباطي دوغمائي: (نعترف بكل تأكيد أن الكلمة اتحد بالجسد اقنومياً، فإننا نسجد لابن واحد، الرب يسوع المسيح، فنحن لا نجزئ ولا نفصل الانسان عن الله، ولا نقول إنهما متحدان الواحد بالآخر، بل نعترف بمسيح واحد فقط، الكلمة من الله الآب، من جسده الخاص. المسيح واحد هو ابن ورب، فهو إله الكل ورب الجميع، لا هو عبد لنفسه ولا سيد لنفسه، لأنه الرب يسوع المسيح، لأنه واحد حسب الكتاب (العهد القديم: التكوين)، لأنه وهو الكلمة كان في البدء، والكلمة كان الله، وكان الكلمة عند الله (يوحنا1:1) وهو نفسه خالق الدهور وهو أزلي مع الآب وخالق كل الأشياء. من لا يعترف بأن عمانوئيل أو يسوع المسيح هو الله بالحقيقة فليكن محروماً. من يتجاسر ويقول إن المسيح هو إنسان حامل لله (ظهور) وليس هو الله بالحق والابن الواحد بالطبيعة، إذ أن الكلمة صار جسداً (التجسيد) ويشترك مثلنا في اللحم والدم فليكن محروماً)
وقد تجاسر كل من آريوس ونسطوريوس وقالا كلاماً يوجب الحرم والطرد من الكنيسة الرسمية لأنه يقول بالظهور، وبالطبيعة البشرية ليسوع الذي ولدته امرأة هي مريم. (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [آل عمران: 59] هو بشري مخلوق من طين. نزل عليه الروح القدس وظهرت عبره الالوهية.
إذن الصراع على طبيعة المسيح واضحة بين تجسد الله في المسيح حقيقة (قانون الايمان) وبين قائل بأن الله ظهر بالإنسان يسوع المسيح لا متجسداً ولا منحلاً فيه (خريستوس)، حيث خريستوس (كريستوس المسيح) تعني غير المنحل في الافراد والمفارق لهم وقت موتهم.
آريوس الطامّة الكبرى، والهرطوقي الأعظم، والمعادل البشري للشيطان من وجهة نظر الارثوذوكس عموماً والأقباط خصوصاً.
ولد آريوس سنة 264 م كان قساً سكندرياً أصله من ليبيا التي كانت قديماً تسمى بالمدن الخمس الغربية، وكانت تابعة يومئذ للإسكندرية، مثلما كانت عموم البلاد المصرية والحبشة من بعد، تحت الهيمنة الروحية للكنيسة المرقسية في مقرها بالإسكندرية.
في الإسكندرية ترقى آريوس في خدمته الكنسية الاكليريكية (الأبوية) حتى صار كاهناً لكنيسة بوكاليا المطلة على الميناء الشرقي بالمدينة.
في الإسكندرية القديمة درس آريوس أعمال المفكر الكنسي المرموق أوريجين (أوريجانوس) خريج المدرسة الفلسفية السكندرية القديمة، تلميذ الفيلسوف أمونيوس ساكاس، وزميل الفيلسوف الشهير أفلوطين (زعيم الافلاطونية المحدثة التي أسسها ساكاس). بعد دراسته في الإسكندرية ارتحل آريوس إلى الشام، ويقال أنه تتلمذ حيناً على يد لوقيانوس وعرف منه آراء بولوس السُّميْساطي. وقد ترك لنا آريوس عمله الأساسي الشعري (ثاليا) أي الوليمة الأدبية، حيث يعرض بالتفصيل لطبيعة العلاقة بين الآب والابن عبر مجموعة قصائد وتراتيل.
بدأ الاشكال الهرطوقي الهائل المرتبط بآريوس في النصف الثاني من حياته. وتحديداً بعد انتقاله إلى الشام بسوريا. حيث التف الناس هناك حوله، وأعجبوا بآرائه.
كتب أسقف الإسكندرية إسكندر رسالة إلى زميله إسكندر أسقف القسطنطينية يقول في بعضها: "فالابن (حسب آريوس) مخلوق ولا يمكن أن يساوي الله في الجوهر. ويسوع هو المسيح وليس هو الكلمة أو اللوغوس ولا الحكمة، لأنهما صفتان الهيتان لا تتوقفان على مخلوق، وإلا صار الله عرضة للتغير مثل المخلوقات"
وقد اتخذ أسقف الإسكندرية اثناسيوس الرسولي من بعد الموقف ذاته الذي اتخذه سلفه إسكندر، حيث كتب يقول: "إن هؤلاء الافراد أمثال آريوس في سعيهم الدائب بكل مغالطاتهم، لإنكار ألوهية الابن، الكلمة، قد زكّوا موقف من سبقوهم" بالطبع يشير هنا إلى إحيائهم للأبيونية، ولأفكار أرتماس وبولوس السُميْساطي (على الفرات) الذين ينكرون لاهوت المسيح ويعدونه بشرياً بين الخلائق.
أقول لكم: إن آريوس وسابقيه بإنكارهم ألوهية المسيح كانوا يهدفون إلى الحفاظ على وحدة الذات الإلهية وتنزيهها عن الصفات البشرية، ومفارقتها للمخلوقات وتعاليها، وإلى تأكيد حرية الإرادة الإنسانية بعيداً عن الوساطة الكهنوتية. وهكذا شنت على آريوس حرب شعواء، بدأها الاسقف إسكندر الذي دعا إلى مجمع مسكوني لمناقشة ما نشره آريوس بالشام من أفكار هرطوقية فانعقد مجمع نيقية سنة 325 م في هذا المجمع الذي حضره 318 اسقفاً تم حَرْم آريوس وأُقرَّ قطعه (عزله) عن الكنيسة، وصدر حكم نفيه إلى دير بعيد بإسبانيا. لم تتوقف في بلاد الشام تلك الأفكار الأريوسية، ومن ثم فقد أرسل الامبراطور قسطنطين الكبير (مؤسس الإمبراطورية الشرقية) والمسمى اعتباطاً "نصير المسيح"، إلى آريوس يدعوه إلى القسطنطينية للتوفيق بينه وبين الاسقف البيزنطي إسكندر. في أطراف القسطنطينية سنة 336 م مات آريوس فجأة، مات مسموماً حسبما يرجح د. رأفت عبد الحميد في كتابه الممتع (اغتيال آريوس)
يقول يوسف زيدان: قبل أن نترك آريوس إلى غيره من المهرطقين اللاحقين، نورد قائمة بأسماء الأساقفة المعاصرين له، الذين وافقوه على رأيه، الذي عدّته الكنيسة الأرثوذوكسية هرطقة. وهي القائمة التي إذا تأملناها وجدناها تضم فقط أولئك الذين انتموا إلى المحيط الثقافي الشامي/العراقي، الذي أشرنا مراراً إلى أن العقلية العربية كانت شائعة فيه ومهيمنة عليه. ولو عرفنا أسماء هؤلاء قبل أخذهم الاسم الكنسي، لظهرت لنا بوضوح أكثر الأصول العربية لهؤلاء الشوام والعراقيين من القسوس الاساقفة"
ومن اللطائف المتعلقة بآريوس أن المفكرين والمؤرخين العرب الذين جاؤوا من بعده بقرون كتبوا عنه باعتباره واحداً من أوائل الموحدين وجعلوا اسمه عبد الله بن آريس.
كانت أفكار السُميساطي المهرطقة تتمحور حول نقطة وحيدة هي أن يسوع المسيح بشر مخلوق شأن بقية الخلائق، ولا ألوهية له وإنما هو نبي من الأنبياء" (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ) [آل عمران: 144] أيضاً جاء قوله: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ) [المائدة: 116]
أما المهرطق الآخر فهو نسطور الذي ولد في قرية مرعش الشامية (جرمانيقي باليونانية) الواقعة إلى الجهة الشمالية من حلب سنة 380 م اتخذ اسمه الكنسي نسطوريوس حين صار راهباً بدير بقرب انطاكية هو دير أوبريبيوس. اعتلى كرسي الأسقفية بالعاصمة الإمبراطورية القسطنطينية سنة 428 م. عمم على الناس مكتوباً يحظر عليهم تسمية مريم العذراء باسم (ثيوتوكوس) أي والدة الاله، وذلك لأن الانسان الذي هو مريم لا يمكن أن يلد الإله.
تأثر نسطور بمبدأ (التبنّي) الذي نادى به بولس السُميْساطي (الذي معناه أن الاقتران (الاتحاد) بين الله والمسيح هو اتحاد خارجي، تم حسب المُسارّة أو البشارة. (الاقتران بين الاسم والمعنى في اللغة)
كان نسطور على نحو ما امتداداً للنمط الاجتهادي الذي قدمه آريوس من قبله بقرن من الزمان، لأن آريوس هو الذي توسع في مفهوم (التبنّي) وجعل منه قاعدة لفهم طبيعة المسيح.
كتب أسقف الإسكندرية كيرُلُّس عمود الدين رسالة إلى الامبراطور ثيودوسيوس الثاني جاء فيها: كان هناك شخص ما، اسمه تيودور المصيصي، وقبله ديودور الطرسوسي، كان الأخير أسقف طرسوس والأول أسقف المصيصة. وكان هذان هما أبوي تجديف نسطور"
مجمع افسس مجمع كنسي مسكوني عقد في مدينة افسس على الساحل الغربي لآسيا الصغرى تركيا حاليا انعقدت منه ثلاث مجامع تاريخية
مجمع افسس الأول 431 م وهو المجمع المسكوني الثالث دعا اليه الامبراطور ثيودوثيوس الثاني وترأسه البابا كيرولُّس الأول (عمود الدين) بابا الإسكندرية. أدينت فيه بدعة نسطور الذي أنكر لقب والدة الإله (ثيوتوكوس) لمريم العذراء. وتم إقرار هذه الصفة لمريم، وإقرار طبيعة المسيح الإلهية الواحدة في هذا المجمع.
في سنة 435 صدر مرسوم امبراطوري بنفي نسطور إلى صحراء البتراء العربية، ويقال إنه نفي بعد ذلك إلى الصحراء المصرية أو بلدة أخميم بصعيد مصر على الشاطئ الشرقي لنهر النيل، وهناك مات مغموراً كما يؤكد الاقباط سنة 449 م
في مجمع خلقيدونية 451 م انشقت الكنائس وانزوى بعده الاقباط في مصر والإسكندرية وصار لبلادهم وحتى دخول الإسلام اسقفان: أجنبي موفد من العاصمة الإمبراطورية (القسطنطينية) يمثل المذهب الرسمي للدولة والذي صار معروفاً بالمذهب المَلكاني. وأسقف مصري منتخب يختاره المصريون من بين رجال كنيستهم ويسمى الاسقف اليعقوبي أو القبطي.
هكذا جاء الإسلام الوارث الأعظم للتيار المسيحي المهرطق، وليشكل عودة انتصار لهذا التيار العربي المنشق عن الكنيسة الإمبراطورية الغربية الارثوثوكسية الكاثوليكية العالمية المتحالفة والمتواطئة على مدى 15 قرن مع اليهودية السنية العنصرية التي تخدم الاباطرة والبابوات.
وهكذا تكون الدعوة الابراهيمية من الناحية الثقافية دعوة لإعادة تدجين دين تاريخي منشق مهرطق تبين أنه عصي على التدجين بالرغم من غباوة الإسلام السلفي التكفيري (الذي استخدمه النظام الامبريالي الصهيوني هراوة لضرب خصومه وتأديبهم على الطريقة الغربية)، وبالرغم من كل ما تسببه النزعة السنية النصية وسيادتها من تعطيل للعقل والاجتهاد التأويلي العقلي.
قلنا في مقالتنا "دين إبراهيمي أم خدعة استعمارية" (الاخبار اللبنانية): "إن فكرة «دين إبراهيمي» يجمع الإسلام مع المسيحية المكرّسة واليهودية السُنّية إن هي إلا محاولة من الغرب الإمبريالي ودوائره الثقافية لإخماد هذا التمرّد الأصلي في الإسلام المحمدي كوارث أعظم لكل التيارات الغنوصية المتمردة تجاه المسيحية المُكرّسة ومعها اليهودية السُنّية. خاصة وأن المسيحية الإمبراطورية المكرّسة «بقانون الإيمان» واليهودية السُّنية لعبتا معاً دور العقائد المُبشِّرة بالغزو الاستعماري الغربي قديماً وحديثاً".