صدمة يصعب تحملها


كاظم فنجان الحمامي
الحوار المتمدن - العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 08:05
المحور: سيرة ذاتية     

لم يكن يبادلني مشاعر الإخوة الصادقة، غير أني أوهمت قلبي انها من اقوى الروابط، فتمسكت بها حتى أيقنت متأخراً ان بعض الروابط كانت سريعة التلف، وكانت غير قادرة على الثبات مهما بالغنا بترميمها. .

نشئتا وترعرعنا معاً. أنا وهو من نفس المواليد 1953. عشنا تحت سقف بيت واحد. والتحقنا سوية في المراحل الدراسية. كنا نجلس على مقعدين متلاصقين. .
مضت سنوات العمر حتى وصلنا إلى المراحل المنتهية من الدراسة الإعدادية الفرع العلمي، لكنني اخترت الانقطاع والتوجه مباشرة إلى معاهد التدريب البحرية. ثم عملت في عرض البحر على متن السفن التجارية الكبيرة، بينما استمرّ هو بدراسته الجامعية في ظروف معيشية قاسية. فتحملت نفقات دراسته في كلية العلوم جامعة البصرة.
كنت مضطرا للترشيد والتقشف والتقتير على نفسي حتى استطيع تغطية احتياجاته واحتياجات بقية أشقائي.
كان متعثرا في دراسته الجامعية التي أكملها بشق الأنفس في ستة أعوام بدلا من اربعة. ثم اصبح مدرسا في سلك التعليم الثانوي. لكنه ابتعد عني متعمدا. ولم يتواصل معي لأكثر من عشر سنوات. حتى أصيب بالفشل الكلوي، فتواصلت معه وكنت أرافقه في مستشفيات بغداد. فتماثل إلى الشفاء بعدما تبرعت له بالدم، وتبرع له اخي الأصغر بإحدى كليتيه. .

عاد ثانية إلى الابتعاد عني. ثم اكتشفت انه لا يطيق رؤيتي، ويحذر الناس مني. ولما تساءلت عن سر هذه الجفاء والنكران قالوا لي انه كان يضمر لي الشر منذ زمن بعيد لكنني لم اكن أعلم ذلك. .

كنت اظن إن الوفاء يُقابل بالوفاء، وكم من أحلام جميلة ضاعت في خيبات الظنون، وكم بنينا معهم عمرا من الأماني، حتى أيقظتني الحقيقة على أوجاع لم أكن اتخيلها.
المؤسف انه كان يستغلني لكنه لا يريد الاقتراب مني، كانت تجمعني به روابط الدم والأخوة والظروف المشتركة لكنه لم يعبء بها.

وفي يوم الايام كنت مدعوا إلى وليمة، من دون ان اعرف انه من ضمن المدعوين، لكنه ما أن رآني حتى استشاط غضبا وقرر المغادرة بأسلوب متهور يبعث على الدهشة.
وهكذا استمرت المقاطعة لسنوات دونما سبب. حتى وافته المنية عن عمر 38 بسبب تداعيات الفشل الكلوي، فاقمت له مجلسا مهيبا للعزاء، وكنت من الداعمين لاسرته بعد وفاته. لكنني كنت اشعر انهم كانوا يفضلون الابتعاد. .

لا تسألك الحياة إن كنت مستعدا. . هي ببساطة تستمر في قلب الصفحات. الجزء الأصعب هو إستيعاب أن الحياة لا تتوقف مؤقتا، بينما تحاول أنت فهم الأمور: إنها تستمر في التغير، والناس يستمرون في الرحيل، والفرص تستمر في العبور. وقبل أن تدرك ذلك. يكون فصلاً جديداً قد بدأ بالفعل. دون أن يسألك إن كنت مستعدا. .