من -المقص- إلى -الخوارزمية-


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 03:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

كيف أجهزت النيوليبرالية على رفات الحرية؟

في الأنظمة الديمقراطية، الرقابة والدعاية لا تعتمد بالضرورة على القمع المباشر مثل الحذف أو السجن، بل تتخذ أشكالًا أكثر تحايلًا كالازدحام بالمعلومات والإقصاء.
عادةً ما تكون الرقابة في هذه المجتمعات أفقية، حيث يمارسها الأفراد على بعضهم البعض، وليس فقط رأسية من الحكومات إلى المواطنين. ومن الأمثلة البارزة هنا ما يُعرف بالإلغاء الثقافي أو الهجمات الرقمية، حيث لا يتم منعك من الحديث بالقوانين، ولكن يتم تهميشك أو التشهير بك بطريقة تدفعك إلى التراجع الذاتي. وفي نفس السياق، تقوم خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي بدور الرقيب الخفي، من خلال حصر المستخدمين في فقاعات فكرية تعزز قناعاتهم الخاصة، مما يؤدي إلى عزلة فكرية تجعل الآراء المخالفة تبدو كأنها مجرد محاولات عدائية للتضليل.

نعوم تشومسكي، أحد أبرز المفكرين المعاصرين، أشار إلى أن الدعاية في الأنظمة الديمقراطية تكمن في تحديد إطار ضيق للنقاش العام، حيث يُسمح بالمجادلات والخلافات الشديدة ضمن هذا الإطار فقط، بينما يبقى التشكيك في الأسس الكبرى للنظام خارج مجال البحث والنقاش. ويكمن الفارق الأساسي هنا مقارنة بالأنظمة الشمولية في أن الأفراد تحت الحكم الشمولي يدركون أنهم يتعرضون لعملية تضليل ودعاية صريحة، لذا يحاولون الوصول إلى الحقيقة من بين السطور. أما في الديمقراطيات، فإن اقتناع الناس بأنهم أحرار تمامًا يجعلهم أكثر عرضة لتأثير الدعاية، لأنها تعمل بشكل خفي وغير ملموس.
في الأنظمة الديمقراطية، تميل وسائل الإعلام الموثوقة مثل نيويورك تايمز أو بي بي سي إلى الالتزام بالدقة وتقديم الحقائق، لكنها تمارس شكلاً من الانتقاء عند تحديد أي حقائق يتم تسليط الضوء عليها وأيها تُهمل. يمكن اعتبار هذا الانتقاء نوعاً من الدعاية غير المباشرة أو الناعمة. في المقابل، يعتمد الإعلام في الأنظمة الشمولية على التضحية بالدقة لصالح الولاء السياسي أو الأيديولوجي. تتمثل المشكلات المرتبطة بالأنظمة الاستبدادية، كما هو الحال في النموذج الروسي، في أنهم ينظرون إلى العالم من خلال معاييرهم الخاصة؛ وبما أن إعلامهم خاضع لدرجة عالية من السيطرة والتوجيه، فإنهم يفترضون أن التنوع الموجود في الأنظمة الديمقراطية الغربية ليس إلا مجرد "تمثيلية" يتم إدارتها من مكان مركزي واحد، مما يعكس انعدام الفهم الحقيقي للتعددية الإعلامية في هذه المجتمعات.


في القرن الماضي، كان الصراع واضح المعالم؛ جبهة تمجد "الحرية" وديمقراطية البرجوازية، وجبهة شمولية تمارس الرقابة بـ"المقص" والسجن. أما اليوم، فقد سقطت الأقنعة وامتزجت الأساليب، لتكشف لنا النيوليبرالية عن وجهها الأشد قسوة: نظامٌ لا يحتاج لسجن جسدك طالما أنه يملك القدرة على "محوك" اقتصادياً واجتماعياً بضغطة زر.

لطالما تفاخرت الليبرالية الكلاسيكية بقدسية الفرد وحقوقه السياسية، لكن مع صعود النيوليبرالية، تحول هذا الفرد من "مواطن" له حقوق يحميها الدستور، إلى مجرد "رأس مال بشري" أو "مستهلك" مستباح. لقد تآكلت الليبرالية من الداخل، وبدلاً من التمدن والحوار، أصبحنا نعيش في ظل "إقطاعية تقنية" عابرة للقارات، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الاحتكار.


إذا قارنا بين أدوات السيطرة في الأنظمة الشمولية والديمقراطيات النيوليبرالية، سنجد أن القسوة لم تتناقص، بل تغيرت "تكتيكاتها". في الأنظمة الشمولية تظل الرقابة "رأسية" وصريحة. الدولة هي الخصم، والسجن هو الأداة. رغم بشاعتها، إلا أنها "واضحة" تخلق وعياً بالمقاومة وبحثاً عن الحقيقة بين السطور. أما في الديمقراطيات النيوليبرالية فالرقابة "أفقية" وخبيثة. الخصم ليس شرطياً بل هو "الخوارزمية" و"مجلس إدارة الشركة". هنا لا تُسجن لأنك انتقدت السلطة، بل تُطرد من عملك، وتُغلق حساباتك البنكية، وتُنفى من الفضاء الرقمي تحت ذريعة "مخالفة شروط الخدمة".
سيادة الشركات فوق سيادة الدساتير
لقد وصلت النيوليبرالية إلى مرحلة "تأميم" المجال العام لصالح الاحتكارات الكبرى. البرلمانات التي كانت يوماً ساحة للتشريع، أصبحت اليوم مجرد مكاتب لتصديق ما يمليه "اللوبي" المالي. لم تعد القوانين تُكتب لحماية حرية التعبير، بل لحماية "النموذج الربحي" للشركات.
إن أخطر ما في هذا النظام هو "خصخصة القمع". عندما تقرر منصة تقنية عملاقة أو كارتل مالي "إلغاء" شخص ما، فإنها تمارس نوعاً من "الإعدام الناعم". في الأنظمة الشمولية، قد يخرج السجين بطلاً، أما في النيوليبرالية، فإن قطع الأرزاق وتدمير السمعة الرقمية يحول الإنسان إلى "جثة مدنية" تتحرك في مجتمع لا يعترف بوجود من لا يملك "ائتماناً" أو "منصة".

في الديمقراطيات القائمة على الرأسمالية، يُعتبر السوق المحرك الأساسي للرقابة. فوسائل الإعلام، كونها مؤسسات تجارية في الأساس، غالبًا ما ترتبط توجهاتها بمصادر تمويلها. هذا يظهر جليًا في التحكم الذي يمتلكه المعلنون، حيث يمكن أن تُحجم قناة إخبارية عن تغطية تحقيق استقصائي حول قضية مثل التلوث البيئي الناجم عن شركة كبيرة، إذا كانت تلك الشركة تمثل الممول الإعلاني الرئيسي لها. كذلك يُلاحظ أن الوصول إلى المعلومات يرتبط أحيانًا بنوع من الولاء؛ فالسياسي الذي يحتكر المعلومات يقدمها إلى الصحفي الذي يحافظ على علاقة ودية معه. بالمقابل، الصحفي الذي يطرح أسئلة صعبة قد يجد نفسه مستبعدًا من اللقاءات الحصرية، مما يؤثر سلبًا على مكانته المهنية وقدرته على المنافسة في عالم الإعلام.
الفرق الجوهري هنا هو أن الرقابة في الديمقراطية لا تحتاج دائماً إلى "شرطي" يقف خلف الكاتب، بل تحتاج فقط إلى "نظام حوافز" يجعل من الصمت خياراً أكثر أماناً وربحاً من الكلام.


وحشية بلا قضبان

إن ما نراه اليوم هو "تفسخ" القيم التي قامت عليها الحضارة الحديثة. لقد حلت "الداروينية الاجتماعية" محل التمدن؛ القوي هو من يملك البيانات والمال، والضعيف يُسحق بصمت.
بينما يراقب المواطن في النظام الشمولي جدران سجنه، يعتقد المواطن في "الديمقراطية النيوليبرالية" أنه حر، بينما هو مكبل بسلاسل غير مرئية من الديون، والتبعية الوظيفية، والرقابة الخوارزمية. لقد انتهى زمن "الحرية" كحق إنساني، ليصبح مجرد "ميزة" تُمنح للممتثلين وتُسحب من المتمردين. الأساليب قد تختلف، لكن الجوهر واحد: إحكام السيطرة على العقل عبر تهديد المعدة والوجود.

مالمو
2026-04-30