مفارقة الحصار والتحول


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 02:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

كيف أعادت إيران رسم ملامح "جمهوريتها الثالثة" من قلب الأزمات؟

عبر التاريخ، طالما اعتُبر الحصار البحري إحدى أقوى الأدوات العقابية التي تُستخدم لتركيع الدول والأنظمة، خاصة تلك التي تعتمد بشكل كبير على حركة التجارة والنفط. ومع ذلك، شكّلت إيران حالة استثنائية في هذه المعادلة، حيث استطاعت أن تُحوّل الضغوط المفروضة عليها إلى محفز لإعادة ابتكار تكتيكاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبينما كان المهندسون الاستراتيجيون للعقوبات يطمحون إلى أن يؤدي إغلاق منافذ الخليج ومصادر الدخل إلى انهيار الدولة الإيرانية التي اتُّهمت بأنها دولة قائمة على الريعية الاقتصادية، عملت طهران بذكاء ومرونة على قلب هذه التوقعات.

فبدلاً من الاستسلام لقيد الحصار الجغرافي والاقتصادي، وظّفت إيران هذه الحالة لصالحها، محوّلة ما يشبه "السجن الجغرافي" إلى مختبر ديناميكي لتطوير استراتيجيات جديدة تهدف إلى ضمان بقائها، بل وحتى تعزيز نفوذها. لم تكتفِ بالإبداع في تجاوز الأنظمة التجارية العالمية والحصول على مواردها بشتى الطرق، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، عبر إجراء تغييرات جوهرية على هيكل علاقاتها في الداخل. فقد شرعت في إعادة صياغة العقد الاجتماعي والسياسي مع مجتمعها، بما يسمح لها بخلق بنية داخلية أكثر مرونة وصلابة، قادرة على تحمل المزيد من الضغوط الخارجية.

إن الحالة الإيرانية تحمل في طياتها دروساً متعددة عن كيفية مواجهة الأزمات وتحويل القيود المفروضة إلى فرص للرؤى الجديدة. يمكن اعتبار ما يحدث تحولاً جذرياً أسهم في ولادة نسخة مختلفة من الجمهورية الإيرانية، حيث هيأت الأزمات بيئة لإعادة تشكيل مساراتها وإنضاج هويتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في آنٍ واحد.

طالما اعتُبر مضيق هرمز بمثابة الورقة الرابحة والأداة الأبرز التي تمكّنت طهران من استخدامها لتكريس نفوذها الجيوسياسي والضغط على القوى العالمية، إلا أن الظروف المتغيرة والضغوط الممنهجة سلطت الضوء على تحول جذري في هذه المعادلة. فمع ظهور سيناريوهات الحصار الاقتصادي الموجه، انقلب دور المضيق الاستراتيجي رأساً على عقب، لينتقل من كونه أداة فعالة للضغط الدولي إلى ثغرة مؤلمة تحمل أثقال التحديات وتكبّد الاقتصاد الإيراني أعباءً متزايدة. وفي ظل هذا التحول غير المتوقع، كان على النظام الإيراني أن يتخذ قرارات صعبة ومليئة بالتحديات، أبرزها التخلي -ولو جزئياً وبألم واضح- عن اعتماده المطلق على معابره البحرية التقليدية. ونتيجة لهذا الواقع الجديد، انطلقت طهران في عملية إعادة ترتيب استراتيجياتها البحرية والجغرافية، بحثاً عن بدائل استراتيجية يمكن أن تكون بمثابة الشرايين الجديدة التي تعوض خسائرها.

ومع انسداد الخيارات وتراجع الإمكانيات في الجبهات الجنوبية، أعادت طهران توجيه بوصلتها نحو الشمال والشرق، بحثاً عن فرص تكتيكية واقتصادية جديدة. وفي خضم هذا التحول، برز بحر قزوين كمركز جيوسياسي آمن تتعذر عليه التدخلات العسكرية البحرية الدولية، ليقدم بذلك منفذاً استراتيجياً للسياسات الإيرانية المتجددة. وعبر تفعيل ممر "شمال-جنوب"، عززت إيران شراكات اقتصادية وتجارية مع كلٍ من روسيا ودول آسيا الوسطى، مستفيدة من عقود المقايضة التي باتت بديلاً عملياً في ظل العقوبات المالية المفروضة.

إلا أن هذه الاستدارة لم تكن مجرد خطوة لوجستية تعتمد على تنويع مسارات النقل والتجارة فحسب، بل تضمنت أيضاً استغلالاً شديد الذكاء لجغرافيا الحدود البرية الستة المحيطة بإيران. فقد تحولت تلك الحدود إلى شبكات حيوية متفرعة استخدمتها الدولة في أنشطة التجارة غير الرسمية والتهريب المنظم، مما منح الاقتصاد مساماً تنفس عبرها بعيداً عن نظام "سويفت" المالي وهيمنة الدولار الأميركي. وقد مثل هذا النهج الالتفافي جزءاً من استراتيجية أوسع لإدارة تداعيات الحصار ومنع الوصول إلى لحظة الانهيار الكامل، مجسداً بذلك قدرة النظام الإيراني على إعادة التموضع وسط تحديات سياسية واقتصادية خانقة.
.

على الصعيد الاجتماعي، أفرزت الحرب تأثيراً معاكساً للتوقعات الدولية. بدلاً من إشعال ثورة، قادت الأزمة إلى ما يمكن وصفه بـ "تأميم المجتمع"، حيث استغل النظام ظروف الطوارئ لتصفية المعارضة وإخماد الأصوات الناقدة تحت شعار حماية الأمن القومي. وفي ظل تراجع المطالب السياسية لصالح نوازع البقاء الأساسية، وجد الشعب نفسه في موقف يفرض عليه الالتفاف حول "الدولة" كمصدر وحيد لتأمين الخبز والدواء. أما الأقليات، فقد غاصت في حالة من "اليأس المطلق" بعد فشل الرهانات الخارجية القائمة على تفكيك المركزية.

ومع تعثر خيار "الإسقاط التقليدي" من الخارج، بدأت تتضح ملامح تحول هيكلي داخلي يسعى لضمان استمرارية القوة. هذا التحول يعتمد على "تآكل السلطة المركزية" لصالح تصاعد دور التكنوقراط وتعزيز نفوذ المؤسسة العسكرية، مع تراجع تدريجي في صلاحيات النظام العقائدي لصالح اتخاذ قرارات قائمة على اعتبارات "المصلحة". وفي إطار احتواء التوترات، شرع النظام في تقديم "صمامات أمان" اجتماعية من خلال التخفيف التدريجي لبعض القيود المفروضة على الحريات الشخصية، والاعتراف بالحقوق الثقافية للمكونات القومية. بذلك، يتحول "اليأس" المتفشي إلى حالة من "التعايش المشروط" مع السلطة الحاكمة.
لا يكتمل المشهد دون التأكيد على أهمية "بوليصة التأمين" النووية التي تضمن عدم تكرار مصير دول مثل العراق في عهد صدام أو ليبيا في عهد القذافي. بالتزامن مع ذلك، تمكنت "الأذرع الإقليمية" من التعافي واستثمار خبراتها الميدانية لتحويلها إلى قوة ردع دائمة. ومع اقتراب انتهاء الحرب الحالية، تستعد إيران لاسترجاع أصولها المجمدة، ليس كبلد منهك، بل كقوة إقليمية ناضجة تعرف جيداً كيف تزدهر في إطار "منطقة الظل". توجيه هذه الأموال نحو تعزيز البنية العسكرية والاقتصادية المتماسكة داخلياً قد يعني انبثاق "إمبراطورية جيوسياسية" يديرها منطق المصالح البراغماتي بعيداً عن تطرف الشعارات.

إيران التي ستبرز من هذا التحول ستكون دولة ذات هوية بحرية وروح برية. استطاعت المؤسسة العسكرية أن تقدم تنازلات في مجال "الحريات الاجتماعية" مقابل الحفاظ على "السيطرة الاقتصادية"، وتمكنت الجغرافيا من تجاوز العقبات البحرية. التجربة أثبتت أن القوة التي تتشكل في ظل الحصار هي قوة "أصيلة" عصية على التفكيك، وأن الأفق القادم في الشرق الأوسط قد يحمل صيغة جديدة للتأثير الإيراني: هيمنة صلبة، اقتصاد متحرر، وجغرافيا تتجاوز الحدود.

مالمو
2026-04-13