مسرحية: زجاج الحقيقة


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 14:43
المحور: الادب والفن     

شخصيات المسرحية:
• آدم: (في الأربعينيات، يرتدي ملابس أنيقة لكنها متعبة، عين يمنى زجاجية لا تتحرك).
• آدم الشاب: (طالب جامعي، متمرد، يضع أحياناً عصبة على عينه).
• ليلى: (طيف يمثل الفتيات اللاتي مررن في حياته).
• صوت الأخت: (صوت مسجل يأتي من خلف الكواليس).

المشهد الأول: مرآة الروح
(المكان: خشبة مقسمة لنصفين. اليمين: حمام جامعة قديم بمرآة مكسورة. اليسار: مقهى هادئ بإضاءة خافتة خريفية. في المنتصف: كرسي وحيد ومصباح خافت).
آدم (يقف أمام المرآة، يلمس عينه اليمنى):
هذه العين.. لا تبكي، لا ترمش، لا تخون. إنها قطعة زجاج باردة في وسط غابة من اللحم المحترق. يقولون إن التكنولوجيا جعلتها "ذكية"، تنسق مع جفني، ترقص مع عيني اليسرى.. لكنها في المرآة تبدو كعين عقعق يراقب جثة.
(يدخل "آدم الشاب" من خلف المرآة، يضحك بسخرية).
آدم الشاب: لا تكذب على نفسك! في العشرين كنت تظنها سر جاذبيتك. كنت تظن أن الفتيات يلحقن بك لأنك "مختلف"، غامض، كأنك خارج من رواية بؤس.
آدم (يلتفت إليه): بل كنتُ خائفاً. كنتُ أرى الألوان مشوهة، والمسافات ناقصة. كنت أرى "ليلى" تقترب، لكن عيني الزجاجية كانت تخبرني أنها مجرد وهم سيزول مع أول شروق شمس.

المشهد الثاني: فصول الغياب
(تتحرك الإضاءة لليسار، تظهر "ليلى" تجلس في المقهى، تمسك فنجان قهوة).
ليلى (بصوت حالم): أحبك.. ولكن.
آدم الشاب (يقترب منها، يحاول الإمساك بِيَدها): ولكن ماذا؟ الجامعة؟ المستقبل؟ أم هذا الزجاج الذي يسكن وجهي؟
ليلى (تنهض ببرود): الأمر ليس في العين يا آدم، بل في الرؤية. أنت تملك عيناً من زجاج، وقلباً من ورق. (تغادر الخشبة وتترك رسالة على الطاولة).
آدم (يقرأ الرسالة من مكانه): "أتمنى لك السعادة".. الكلمة التي تُقال دائماً قبل الموت أو الرحيل. هكذا انتهى الصيف، وبقي الملح على جروحي.

المشهد الثالث: ورشة الفيزياء والشعر
(تتغير الإضاءة لتصبح ساطعة وقاسية. "آدم الشاب" يقف أمام سبورة تخيلية في الهواء).
آدم الشاب: في درس الفيزياء، كان الجميع يحل المعادلات، وأنا كنت أكتب شعراً بالطباشير. كنت أريدهم أن يروا "آدم" وليس "العين". كان الطلاب يتهامسون: "انظروا إليه، المتمرد ذو العين الواحدة". صرت "يسارياً" في نظرهم، ليس سياسةً، بل لأنني لا أرى إلا بيساري!
آدم (يقاطعه بصوت حزين): ونلت الشهادة بـ "نجمة". علامة التميز التي هي في الحقيقة "وصمة" تمنعني من الوظائف الإدارية. النجمة التي تقول للجميع: "احذروا، هذا الرجل يرى العالم بشكل مختلف".

المشهد الرابع: الرسالة الصاعقة
(يخفت الضوء تماماً إلا على آدم وهو يجلس على الكرسي في المنتصف، يمسك هاتفاً قديماً).
صوت الأخت (من الكواليس، بصدى حاد): "طرف اصطناعي... عين أنت."
آدم (يردد الكلمة بذهول): طرف اصطناعي.. عين أنت. ثلاث كلمات اختصرت عمراً من التظاهر. لسنوات ظننت أنني أخفي سري، بينما كان الجميع يرى الزجاج قبل أن يرى الإنسان.
(يقف آدم الشاب خلفه، يضع يده على كتفه).
آدم الشاب: هل نادم؟
آدم: نادم لأنني حاولت التكيف مع عالم يطالبني بالتماثل. الزجاج لم يكن المشكلة، المشكلة كانت في محاولتي إقناع الآخرين أن الزجاج يرى أحلامهم.

المشهد الختامي: الشرفة المطلة على الغابة
(يخيم الضباب على الخشبة. آدم ينظر إلى الجمهور، ويغلق عينه اليسرى تماماً، ليواجههم بالزجاجية فقط).
آدم: الآن، في منتصف العمر، رحل الجميع. الزوجة، الأطفال، الصديق "سام". لم يبقَ إلا أنا وهذا الانعكاس. (ينظر للمرآة) غداً سأذهب للجامعة، سأقف في الممر القديم، ولن أداري عيني بعصبة أو نظارة سوداء. سأترك الزجاج يلمع تحت ضوء الشمس.. فربما يكون الزجاج هو الشيء الوحيد الصادق الذي بقي فيّ.
(ينطفئ الضوء ببطء، ويبقى لمعان صغير يصدر من مكان عينه في الظلام).
- ســتار -


مشهد استدراكي: "ظلال تحت المطر"
(المكان: شرفة المقهى المطلة على حديقة الغابة. الجو غائم، صوت رعد خفيف في الخلفية. "سام" يجلس واضعاً معطفه على كتفيه، يبدو عليه الهزال لكن عينيه تلمعان بذكاء حاد. "آدم الشاب" يجلس أمامه مرتبكاً، يعبث بملعقة القهوة).
سام (بهدوء): توقف عن ذلك يا آدم.. الملعقة ليست عدوك، والقهوة بردت منذ عشر دقائق.
آدم (يرفع رأسه، عينه الزجاجية تبدو جامدة تحت ضوء المصباح): لستُ هنا لأشرب القهوة يا سام. أنا هنا لأهرب من نظرات الطلاب في الممر. الجميع ينظرون إليّ وكأنني "تجربة فيزيائية" فاشلة.
سام (يبتسم بمرارة): أنت تخطئ دائماً في قراءة النظرات. هم لا ينظرون لعينك الزجاجية لأنها قبيحة، بل لأنها "ثابتة". في عالم يتقن الجميع فيه "زوغان الأبصار" والكذب بالعيون، عينك اليمنى هي الوحيدة التي لا تكذب.. إنها تنظر للأمام دائماً، بصدق جارح.
آدم (بانفعال): صدق؟ أي صدق في قطعة زجاج اشتريتها من عيادة طبية؟ سام.. أنا أشعر بالانقسام. عيني اليسرى ترى الأحلام، واليمنى ترى الفراغ. أنا أعيش بنصف حقيقة.
سام (يسعل قليلاً، ثم ينظر لآدم بعمق): وما أدراك أن "حقائقهم" كاملة؟ أنا أموت يا آدم.. جسدي يخذلني يوماً بعد يوم، ومع ذلك، أرى العالم الآن بوضوح لم أملكه حين كنت بكامل صحتي. (يشير إلى عينه) أحياناً، نحتاج لخلل ما، لكسر في المشهد، لكي نرى ما وراء الستار. أنت محظوظ بهذا "الخلل".
آدم (بصوت منخفض): ليلى رحلت يا سام. قالت إنها تحبني "ولكن". تلك الـ "لكن" كانت تقصد بها عيني، أليس كذلك؟
سام (يضع يده على يد آدم): ليلى رحلت لأنها خافت من انعكاس صورتها في عينك. العين الزجاجية لا تعطي "انطباعاً"، هي تعطيك "الحقيقة" فقط. هي خافت من صمودك، من قدرتك على الوقوف أمام المرآة كل صباح وتركيب جزء منك بيدك. ليلى كانت تريد رجلاً يغمض عينيه عن عيوبها، وأنت.. أنت لا تغمض جفنك حتى وأنت نائم!
آدم (يضحك بمرارة): هل هذا مدح أم رثاء؟
سام: هذا اعتراف. آدم.. اسمعني جيداً قبل أن يغلبني التعب. العالم سيحاول دائماً وضع "نجمة" بجانب اسمك، سيحاولون تصنيفك كـ "طرف اصطناعي" في مجتمع يدّعي الكمال. لا تسمح لهم. كن أنت "العين" التي تبصر عورات زيفهم.
آدم (يشعر بضيق في حلقه): سأفتقدك يا سام. من سيخبرني بالحقيقة عندما تخذلني الرؤية؟
سام (يغلق عينيه ببطء، صوته يخفت): لا تنظر إليّ بعينك اليسرى الباكية.. انظر إليّ بالزجاجية. هناك، حيث لا ألم، ولا عواطف تشوه المشهد. هناك سنلتقي دائماً.. في المساحة التي لا يجرؤ أحد على دخولها.
(يسود صمت طويل. يرتفع صوت المطر فجأة، ويظل آدم جالساً يراقب صديقه الذي بدأ يغيب في غيبوبة هادئة، بينما تلمع عينه الزجاجية تحت المطر كأنها جوهرة حزينة).