خندق الشعوب المشترك ضد -مقصلة- الدين وتوحش -الامبراطور-


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 03:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

في لحظة تاريخية فارقة، يواجه العالم صعوداً مخيفاً لتيارات تعادي الإنسان بذرائع مختلفة؛ فبين استبداد ديني يتلطى خلف "المقدس" ليقمع الحريات، وبين فاشية سياسية (يمينية وشعبوية) تلوح بـ "العصر الحجري" لفرض الهيمنة، تجد الشعوب نفسها أمام خيار واحد لا بديل عنه: التضامن الأممي العابر للحدود.

وحدة الجلادين.. وحدة الضحايا
إن ما يربط "المرأة الإيرانية" التي تواجه الرجم والفصل العنصري، بـ "المهاجر" الذي يطارده ترامب في شوارع أمريكا، ليس مجرد المعاناة، بل هو وحدة "الجلاد". فالمنطق الفاشي واحد، سواء ارتدى عمامة دينية في طهران أو بدلة أوليغارشية في واشنطن. كلاهما يرى في الإنسان مجرد "عائق" أمام شهوة السلطة الشخصية، وكلاهما يحتقر الديمقراطية ويسعى لتأليه "القائد المنقذ" على حساب سيادة القانون وكرامة الفرد.
"زن زندگي آزادي": أيقونة النضال العالمي
لقد قدمت ثورة "المرأة، الحياة، الحرية" نموذجاً ملهماً لـ "الأممية الجديدة". فهي لم تكن صرخة ضد نظام سياسي فحسب، بل كانت تمرداً حضارياً على "عصور الظلام" الفكرية. هذا الحراك الشعبي الأصيل أثبت للعالم أن الشعوب لا تنتظر "مخلصاً" خارجياً يأتي على متن القاذفات، بل تصنع خلاصها بيديها، رافضةً المقايضة المهينة بين "استبداد محلي" و"دمار خارجي".
"لا للملك.. لا للفقيه": وحدة الشعار والمصير
إن الشعار الذي دوت به حناجر المتظاهرين في أمريكا ضد عنجهية ترامب وفاشيته، يلتقي عضوياً مع شعارات الشارع الإيراني. إن عبارة "كل السلطة للشعب" هي الرد الحاسم على:
• الأوليغارشية المالية: التي تمثل الـ 1% وتدمر حياة الملايين.
• الأوليغارشية الدينية: التي تحتكر الحقيقة والقرار وتصادر الحريات.
• الأطماع الملكية: التي تحلم بالعودة على ركام الوطن.
الاقتصاد كأداة قمع.. والتضامن كأداة تحرر
بينما تستخدم القوى الكبرى "الأطماع الاقتصادية" لمنع التدمير الشامل أحياناً (خوفاً على الأرباح لا حباً في البشر)، فإن الشعوب تطور "اقتصاداً سياسياً" جديداً يقوم على التضامن. إن الوعي بأن "حرية الإنسان في إيران" هي جزء لا يتجزأ من "حق المهاجر في أمريكا"، ومن "كرامة العامل في أوروبا"، هو ما يمنع القوى الإمبريالية والفاشية من استخدام الشعوب كبيادق في حروبها الجيوسياسية.

نحو عالم بلا أباطرة
إن "الخندق المشترك" للمقهورين اليوم هو الضمانة الوحيدة ضد الارتداد إلى "عصور الحجر" المادية أو الفكرية. إن الرسالة الموجهة إلى ترامب، نتنياهو، والولي الفقيه، وبقايا الأنظمة الملكية، هي رسالة واحدة واضحة: زمن الأباطرة قد ولى.
إن التاريخ يُكتب الآن بمداد التضامن الأممي، وبإرادة الناس الذين قرروا أن السلطة لا تنبع من فوهة البندقية، ولا من "الحق الإلهي" أو "الوراثة الملكية"، بل تنبع من إرادة الـ 99% من سكان هذا الكوكب الذين يهتفون بصوت واحد: "لا للمستبد.. نعم لسيادة الشعب".

هذا التضامن هو "الدرع" الذي سيحطم مطرقة الحرب وسندان الاستبداد، ليرسم ملامح فجر جديد تسود فيه كرامة الإنسان فوق كل اعتبار.


إن التاريخ يُكتب الآن بأيدي هؤلاء الذين رفضوا الاستسلام لـ "عصور الظلام" الداخلية و"عصور الحجر"الخارجية. إنها مسيرة شاقة، لكنها الوحيدة التي تضمن ألا تُسحق كرامة الإنسان تحت أقدام الأباطرة الجدد.
إنه صراع العصر: الإنسان في مواجهة الآلة الفاشية. ومع استمرار هذا الوعي، لن يجد الطغاة والشعبويون مكاناً يختبئون فيه خلف شعاراتهم الزائفة، لأن الشعوب قد قررت أخيراً أن تأخذ زمام مصيرها بيديها.
بينما تتعالى تهديدات دونالد ترامب بإعادة إيران إلى "العصر الحجري"، يبرز مشهد سياسي سريالي يجمع بين أقصى اليمين الفاشي في واشنطن وتل أبيب، وبين بقايا المعارضة الملكية الإيرانية المتطرفة. هؤلاء الذين يشكرون ترامب ونتنياهو على وعود الدمار، يثبتون أنهم ليسوا سوى وجه آخر لعملة الاستبداد؛ فهم مستعدون للتضحية بحياة مجتمع يضم 95 مليون إنسان مقابل أوهام العودة إلى عرش مفقود.
فشل "الهمجية" المزدوجة
على مدار 47 عاماً، حاول النظام الإسلامي في إيران، مستنداً إلى قوانين "شرعية" متحجرة، أن يعيد المجتمع إلى حقبة ما قبل 1400 عام عبر القمع والرجم والإعدامات. لكنه فشل؛ لأن الشعب الإيراني، وخاصة نساؤه وشبابه، رفضوا تلك القيم الرجعية في حياتهم اليومية، واعتبروا هذا النظام كياناً غريباً عن هويتهم الحداثية. واليوم، يأتي ترامب ليهدد بتدمير ما تبقى من بنية تحتية ووسائل حياة، ليلتقي في هدفه النهائي مع نظام الولي الفقيه: تحطيم إرادة الشعب الإيراني وإعادته إلى الخلف.
ترامب: "الملك" المهووس بالسلطة
إن سلوك ترامب تجاه إيران ليس معزولاً عن سلوكه الفاشي داخل الولايات المتحدة. فهو الذي حاول التصرف كملك فوق القانون، مهاجماً الديمقراطية ومطارداً المهاجرين في الشوارع عبر شرطته السرية، ومقسماً العائلات على الحدود لصالح أوليغارشية الـ 1%. إن استهتاره بحياة الإيرانيين هو امتداد لاستهتاره بحياة الملايين من الأمريكيين الذين خرجوا بشعار: "لا للملك.. كل السلطة للشعب".
المعارضة الملكية: السقوط في فخ التبعية
من المفارقات المخزية أن المعارضة اليمينية الملكية هي الوحيدة التي لا تزال تصفق لترامب ونتنياهو. إنهم يثبتون أنهم لا يملكون مشروعاً للحرية، بل مشروعاً للتبعية؛ حيث يرون في القصف الإسرائيلي أو الأمريكي "فرصة" سياسية، متجاهلين أن الدمار الشامل لا يبني أوطاناً بل يخلق ركاماً. إن شكرهم لمن يهدد بـ "إبادة" مجتمعهم هو إعلان صريح عن موتهم السياسي والأخلاقي.

2026-04-07