خريف الأيديولوجيا وبزوغ -المواطن الرقمي-


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 04:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

خريف الأيديولوجيا وبزوغ "المواطن الرقمي": هل انتهى عصر الأحزاب العربية؟



مع تصاعد وتيرة التحولات السريعة والمتلاحقة في المشهد الإقليمي، لم يعد مشهد القاعات الحزبية الفارغة والاجتماعات التي تُعقد في الزوايا الهامشية مجرد حالة عابرة أو ظاهرة وقتية، بل أصبح بمثابة انعكاس جليّ لأزمة عميقة تعصف بجوهر وهياكل المنظومات السياسية في العالم العربي. فالأحزاب على اختلاف توجهاتها وأيديولوجياتها، سواء أكانت تاريخية أم حديثة، ذات انتماءات يمينية أم يسارية، أصبحت عاجزة تماماً عن التكيف مع متغيرات الواقع أو ملامسة تطلعات وهموم المواطن العربي الذي يرزح تحت وطأة الفساد المستشري وضعف المؤسسات الغارقة في شِراك العجز.

في هذا السياق، وجدت بعض الأحزاب التاريخية التي لطالما اعتبرت عماد الحراكات السياسية العربية نفسها أسيرة لما يسمى "الواقعية السياسية"، وهي واقعية لم تتجلّ كونها خياراً استراتيجياً مستنيراً، بل تحوّلت إلى عبء مثقل يساهم في تآكل قيمها ومبادئها. فبدلاً من أن تغدو هذه الأحزاب صوتاً حقيقياً يعبر عن مشكلات المجتمع وطموحاته، اتجهت للسير ضمن مسارات محددة خُطّت بيد قوى إقليمية ودولية. والأدهى من ذلك، أن هذه الأحزاب ارتضت الانخراط في نظم سياسية مُعلّبة، يقودها غالباً تحالف مع شبكات ميليشياوية غارقة حتى النخاع في الفساد والمصالح الضيقة.

هذا الانزلاق لم يحدث بمعزل عن تداعياته الوخيمة؛ إذ تسرب الفساد الذي واجهته الأحزاب في الخارج إلى داخلها، مخلّفاً أثره العميق حتى باتت تفقد مع الوقت أبرز سماتها النضالية التي طالما ميّزتها. وجدت هذه الأحزاب نفسها في نهاية المطاف بين خيارين أحلاهما مر: إما الاستسلام لرؤية السلطة التي كانت تعارضها في الأصل، أو التمسك بصورة شكليّة لنضالها عبر الاكتفاء بالمقاعد الوظيفية التي تُمنح لها وما يرتبط بها من امتيازات مادية. ولعل الأخطر هنا هو أن خطاب الثورة الذي لطالما عُرف عن هذه الأحزاب أصابه التشويه، فتحولت مفردات مثل الفساد والطغيان إلى شعارات بلا معنى أمام تنازلاتها المُهينة. ولمّا بدأ الفاسد يُعتبر "شريكاً وطنياً" تحت ذريعة الحفاظ على الكيان القانوني للحزب نفسه، انحدرت البوصلة الأخلاقية إلى قاع خطير، مما أدى إلى تفكك القاعدة الشعبية التي لم تعد ترى أي فارق يُذكر بين هذه الأحزاب وسلطة فاسدة طالما ادعت تلك الأحزاب معارضتها بحماس.

عندما اندلعت ساحات الاحتجاج، بدءاً من انتفاضة تشرين في العراق وصولاً إلى موجات الربيع العربي، حاولت بعض النخب أن تتماهى مع تلك التحركات بارتداء أقنعة جديدة. غير أن هذا التناقض بين التظاهر في النهار وقبض الرواتب من داخل النظام ليلاً واجه عقبتين رئيسيتين: أولهما وعي جيل "زد"، الذي سرعان ما كشف محاولات احتواء ثورته وتحويلها إلى مجرد أداة تفاوضية لتحسين مصالح النخب ضمن المنظومة. وثانيهما التبعية العميقة للنظام، إذ إن من يعتمد على موارد السلطة لا يمكنه أن يسعى لإسقاطها، مما جعل وجود الأحزاب في الميادين تمثيلاً خافتاً انتهى بحدوث قطيعة جذرية مع الشارع.

تتميز الأنظمة الحاكمة بقدرتها الكبيرة على احتواء معارضيها عبر آليات الزبائنية السياسية، وتدجينهم ليتحولوا إلى موظفين بلا تأثير حقيقي. ومع غياب قوة صلبة قادرة على قيادة مسار التغيير، وانكشاف ضعف العقوبات الدولية التي غالباً ما يعاني منها عامة الشعوب أكثر من النظم الحاكمة، يبرز الرهان على التحولات الإقليمية الكبرى بوصفه الخيار الأكثر واقعية.
في هذا السياق، يحتل مشروع "طريق التنمية" والمبادرات الاقتصادية العابرة للحدود موقعًا استراتيجيًا كإحدى الأوراق الرابحة التي تحمل إمكانية لتحقيق نقلة نوعية في البيئة السياسية والاقتصادية. فهذه المشاريع، ورغم أنها ليست مصممة بالضرورة لتعزيز قيم الديمقراطية بشكل مباشر، تؤسس لمنطق جديد يرتكز على المصالح المشتركة والخدمات المتبادلة، مستبدلة بذلك النموذج التقليدي القائم على لغة القوة والسلاح والفوضى. الشراكات والمشاريع الدولية الكبرى لا تجد طريقها إلى النجاح إلا في إطار نظام قانوني مستقر يضمن الأمان والتنظيم، مما قد يدفع الأنظمة القائمة إلى التخلي بشكل تدريجي عن السلوكيات الميليشياوية والانفتاح على ديناميكية استقرار طويل الأمد يسمح بتدفق الاستثمارات واستمرارها.

في ظل هذه التحولات، يظهر الوعي الرقمي لدى الشباب كمحرك أساسي يتجاوز دوره التقليدي كوسيلة للتواصل الاجتماعي، ليصبح بمثابة مختبر حي يساهم في إعادة تشكيل القيم المجتمعية والحراك الشعبي. هذه المنصات الرقمية باتت تعبر عن رفض صريح لإرث الأحزاب التقليدية التي فقدت مصداقيتها وتماسكها بفعل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية.

الأدوات الرقمية الحديثة مثل تقنيات التحقيق المفتوح المصدر (OSINT) أصبحت قادرة على تفكيك التمويه وإزالة الأقنعة عن نخب سياسية كانت تعتمد على ازدواجية الخطاب والممارسات. الآن، أي شخصية عامة تجد نفسها معرضة للكشف السريع عبر الأرشيفات الرقمية التي تجعل زيف الادعاءات أكثر وضوحًا في دقائق معدودة.

على المستوى التنظيمي، نجح الشباب في تجاوز النموذج الحزبي التقليدي الذي يركز على المركزية السياسية عبر الأمين العام أو الهيكل القيادي الصارم. بدلاً من ذلك، اتجهوا نحو بناء شبكات لا مركزية متينة يصعب السيطرة عليها أو التأثير على قادتها من قبل الهيئات السلطوية.

أما من الناحية الاقتصادية، فقد أدى انتشار مفاهيم العمل عن بُعد والاقتصاد المعرفي إلى تحرير الشباب من القيود المالية التي كانت تفرضها خزينة الدولة المنهكة بالفساد. هذا الاستقلال الاقتصادي الجديد أسهم بشكل كبير في تعزيز خياراتهم السياسية ومنحهم مساحة أكبر للتعبير الحر ورفض السلوكيات أو السياسات التي لا تتماشى مع تطلعاتهم.


لقد انتهى عصر الخطابات الأيديولوجية الجوفاء وبدأ زمن تآكل الأنظمة. المستقبل لن يُصنع عبر أحزاب تتنازل عن مبادئها مقابل الحصول على المنافع، وإنما سيُشكّل بيد المواطن الرقمي الذي يعتبر تحولات الوعي في بغداد وطهران والرياض وبيروت معركة إقليمية مشتركة من أجل تحقيق الكرامة.

إن تحول هذا الوعي من الفضاء الافتراضي إلى تنظيمات شبكية على أرض الواقع يشكل تهديداً وجودياً عميقاً لهيمنة أنظمة الفساد، حيث يجردها من شرعيتها ويطرح خيارات بديلة حقيقية قادرة على إعادة بناء مفهوم السياسة بأسس جديدة تتجاوز قوالبها المتهالكة.
لِكُلِّ زَمَانٍ مَضَى آيَةٌ ... وَآيَةُ هَذَا الزَّمَانِ الصُّحُف
في كل عصر من العصور تتجلى مظاهر فريدة تميزه عن غيره، وكما وصف أحمد شوقي ببلاغته أن لكل زمن علامة مميزة أو رمزًا يعبر عن ملامحه، وكانت الصحف هي آية زمانه ودليل حضارته آنذاك. ومع تطور البشرية ووسائل الاتصال، يمكننا اليوم أن نرى أن "آية هذا الزمان" تتمثل في المنصات الرقمية المتنوعة التي أصبحت النافذة الأوسع للتواصل والتعبير عن الأفكار. تلك المنصات التي تعكس روح العصر الحديث والوعي الشبكي المتنامي الذي بات يقوده الشباب بفضل مهاراتهم التقنية وإبداعهم الفكري، مما يجعلهم المحرك الأساسي لعجلة التقدم في هذا المجال.