سيولة الهوية وفلسفة الهجانة


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 15:11
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

هل انتهى عصر الأنساق القومية في القرية الرقمية؟

يسود في الأوساط النقدية رأي يرى أن الفكر العربي المعاصر لم يرقَ بعد إلى مستوى "الفلسفة" بمعناها النسقي المتكامل، بل ظل مجرد محاولات تدور في فلك المدارس العالمية، أو اجتراراً لمضامين تراثية بملابس حداثية. ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن غياب "الهوية الملموسة" والمناهج الإبداعية قد حوّل المفكرين العرب إلى مجرد "مؤرخين للفلسفة" بدلاً من أن يكونوا فلاسفة مبدعين. ولكن، وفي ظل التحول الجذري نحو "القرية الرقمية الواحدة"، يبرز سؤال جوهري: هل لا تزال هذه المعايير التقليدية صالحة لمحاكمة الفكر اليوم؟ وهل "النسق القومي المغلق" هو حقاً غاية المراد في عصر السيولة؟

سقوط الأنساق وسيولة الهوية

إن نقد الفكر العربي بكونه "مشتتاً" بين المحطات الفلسفية العالمية قد يتحول في عصرنا الراهن إلى ميزة استشرافية غير متوقعة. ففي عالم لم تعد فيه الفلسفة تُبنى كقلاع معزولة، أصبحت "الهجانة" هي الهوية الجديدة. لم يعد التفلسف اليوم بحثاً عن "أصالة عرقية" صلبة، بل هو تشابك معقد بين مرجعيات متعددة. إن ما يراه البعض "ضياعاً" بين المدارس، هو في جوهره "سيولة معرفية" تتناسب مع طبيعة العالم الرقمي الذي يرفض اليقينيات القومية والحدود الذهنية الصارمة.

في هذا الفضاء الكوني، لم تعد "الجذور الثقافية" ملكية خاصة، بل أصبحت مشاعاً يتشابك فيه المحلي بالعالمي ليشكلا معاً أساساً لفلسفة كونية جديدة. وفي هذا السياق، لم يعد المطلوب من المفكر أن يبني "سوراً" حول خصوصيته، بل أن يساهم بـ "جماليات لغته" ومرونتها كخيط حريري يربط بين أجزاء هذا العالم الرقمي المشتت. إن اللغة العربية، بثراء استعاراتها ونظامها الاشتقاقي، تمثل "حصناً وجودياً" يحمي الفكر من التسطيح التقني، وتضفي نكهة إنسانية فريدة على خوارزميات المستقبل.
الهجانة الرقمية: جيل الشباب وذكاء الآلة
إن الرهان الحقيقي في كسر مربع المناهج التقليدية يقع اليوم على عاتق جيل الشباب، الذي تشكل وعيه في أحضان "القرية الرقمية". هذا الجيل لا ينظر إلى الفلسفة كمتون جامدة، بل كـ "نظام تشغيل" للحياة. إنه الجيل القادر على تطويع الذكاء الاصطناعي ليكون جسراً لجمالياتنا؛ فبدلاً من أن نكون مجرد مستهلكين للتقنية، يبرز الشباب كـ "مهندسين للوعي"، يغرسون في ذاكرة الآلة لغة المجاز والاستعارة وقيمنا الأخلاقية. إن هؤلاء "الرقميين الجدد" هم من سيحولون الانحباس الفلسفي القديم إلى سيولة مبدعة، حيث يلتقي "كود" البرمجة بروح القصيدة، ليشكلا معاً وعي الإنسان في مستقبله الهجين.


إن التحدي الحقيقي ليس في "تأصيل" الفكر داخل قوالب قديمة، بل في الخروج من مربع "المناهج التقليدية" التي قيدت الإبداع طويلاً. إن المفكر الذي يحتاجه العصر هو "المفكر المبرمج"؛ ذلك الذي يمتلك القدرة على تفكيك الخصوصيات المنغلقة، وفي الوقت ذاته، يمتلك الشجاعة لتغذية الآلات العالمية بجمالياتنا وقيمنا الخاصة. نحن لا نحتاج اليوم إلى "نظام فلسفي خاص" بقدر ما نحتاج إلى "حضور فاعل" ومؤثر في منصة الوجود الرقمي المشترك.

لقد انتهى زمن الفلسفات التي تتخندق خلف أسوار القومية، وبدأ زمن الفلسفة التي تعبر عن "الذات الهجينة". وفي هذا الزمن، لن يُقاس الإبداع بمدى الالتزام بنسق قديم، بل بمدى القدرة على جعل الجذور الثقافية قيمة مضافة في النسيج العالمي. السيولة اليوم ليست ضعفاً، والهجانة ليست ضياعاً، بل هما الحقيقة الجديدة للإنسان في عالمه الرقمي المعاصر.