إيران 2026: الانفجار الكبير.. صراع -الديناصورات- وسراب الرموز وسقوط -الخدعة-


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 03:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

يُنظر إلى أيام يناير عام 2026 في التاريخ الإيراني كنقطة تحول فارقة، أو ما يمكن تسميته بـ"الانفجار العظيم"، حيث تجاوزت الجماهير حاجز التطلع إلى إصلاح سطحي أو محدود. لقد انتهت حقبة التنويم السياسي الذي كان يخدر الحشود بوعود زائفة أو تغييرات تجميلية. اليوم، يقف الشارع الإيراني، الذي تقوده بجرأة وتحدٍ الأجيال الشابة وعلى رأسهم جيل زد، مُطالبًا بتغيير جذري وليس مجرد تعديلات شكلية. هؤلاء الشباب لم يعودوا ينخدعون بأي اختلافات ظاهرية بين "العمامة السوداء" التي تمثل السلطة الدينية و"البدلة العسكرية" التي ترمز إلى القوة السياسية المسلحة، إذ بات واضحاً للجميع أن كليهما يجسّدان منظومة متجذرة أسهمت في استنزاف الموارد والفرص لعقود طويلة. ما ينشدونه الآن ليس تحسيناً بسيطاً لشروط العيش في ظل المعاناة، وإنما استعادة الدولة والسيطرة على مصيرها بالكامل.

في ظل احتدام الأوضاع في الشوارع الإيرانية التي تشهد احتجاجات وتصاعد المطالب، ثمة صراع داخلي يدور خلف كواليس النظام الحاكم وأسوار طهران المتهالكة. هذا الصراع هو أشبه بلعبة تكسير العظام بين أربع قوى متنافسة تتسابق على رسم ملامح المرحلة القادمة وانتزاع موقع الصدارة في السلطة.

الأول منهم هو "محمد باقر قاليباف"، الذي يحمل لقب "بوتين إيران"، ويترأس جناح "العسكرة التكنوقراطية". رهان قاليباف يكمن في تقديم ما يمكن وصفه بـ"ديكتاتورية الخبز"، وهو نظام يطلب قبول الشعب بمزيد من المركزية والدكتاتورية مقابل وعود بتحسين الأوضاع المعيشية، مع الإقصاء شبه الكامل للأيديولوجيات التي أثقلت كاهل الدولة.

أما الثاني، فهو "علي لاريجاني"، المعروف بـ"ثعلب الصفقات"، والذي يسعى للمناورة من خلال عرض "صفقة كبرى" على الولايات المتحدة تتمثل في الاتفاق حول الملف النووي مقابل ضمان البقاء السياسي للنظام. لاريجاني يطرح نفسه كلاعب سياسي مرن وقائد براغماتي يمكن للأطراف الدولية الوثوق به والتعاون معه.

بينما يمثل الثالث "مجتبى خامنئي"، الذي يُطلق عليه "ظل الخلافة"، الحارس الأمين لمصالح الدولة العميقة. يطمح مجتبى إلى نقل إيران إلى نظام ملكي ديني أمني مغلق ومحكم السيطرة، مع رفض مطلق لأي تنازلات قد تهدد بقاء المنظومة الحالية.

أما الرابع والأخير فهو "رضا بهلوي"، الذي يُعرف بحامل "الشرعية التاريخية"، وهو يسعى إلى إعادة إحياء إرث الأسرة البهلوية وقيم إيران ما قبل 1979. بهلوي يتمتع بقوة رمزية كبيرة خاصة بين جيل الشباب الذين تأسرهم فكرة العودة إلى فترة الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي التي مثلتها الحقبة السابقة على الثورة.

وسط هذه المواجهات، تبدو إيران اليوم على مفترق طرق تاريخي، حيث يتشابك الماضي مع الحاضر، وتتصادم الرؤى المتناحرة حول مستقبل بلد يبحث عن هويته الجديدة ومكانته المفقودة.





القضاء على وهم التغيير من الداخل
يحاول النظام التكيف من خلال اعتماد أساليب "بقاء متطرفة" لتفادي الانهيار، لكن هذه المحاولات تصطدم بوعي شعبي يرفض التسويات الشكلية. فالتحرك الخفي للحرس الثوري لتقليص دور المؤسسة الدينية ومحاولة التحول إلى "مجلس عسكري" بواجهة مدنية لم يعد يخدع المتظاهرين الذين يرفعون شعار "انتهت اللعبة.. ارحلوا أيها الحرس". بالإضافة إلى ذلك، فإن لعبة الأرقام لم تعد تجدي نفعًا، حيث إن موجة التضخم الهائلة التي دهست الطبقة الوسطى جعلت أي محاولة لإنقاذ النظام من الداخل غير قادرة على كسب الوقت. إذ إن رفع العقوبات يتطلب تقديم تنازلات يرفضها صقور الحرس الثوري، في حين أن استمرار العقوبات يعني انتفاضة الشارع مرة أخرى خلال فترة وجيزة.

كما أن القواعد الأمنية بدأت في التشقق؛ إذ يبرز "الصمت الاستراتيجي" داخل الحوزة العلمية في قم كإشارة إلى رغبتها في الابتعاد عن المشاركة في القمع، بينما تعاني المستويات الأدنى في الشرطة وقوات البسيج من تراجع فعاليتها القمعية ورفض تنفيذ أوامر بالقتل. هذا الواقع يدفع القيادات إلى البحث عن حلول تضمن لهم السبل للخروج بسلام.

في خضم هذا الصراع المعقد والمتشابك على مستويات متعددة، تبرز القوى النسوية كركيزة أساسية وجوهرية لأي عملية تغيير حقيقي وفاعل في المشهد السياسي والاجتماعي. حيث يشكل الشعار الملهم "امرأة، حياة، حرية" الرابط المتين الذي يوحّد مختلف القوميات ويذيب الفجوات التي طالما مزّقت النسيج المجتمعي وأعاقت تحقيق العدالة والحرية للجميع.

المجموعات القومية المختلفة، مثل الأكراد والعرب والبلوش، تعيش حالة من القلق والريبة تجاه القوى المهيمنة، سواء كانت "التاج" بمعناه الملكي أو "العمامة" كرمز للسلطة الدينية. بالنسبة لهذه القوميات، فإن استبدال "ديكتاتورية دينية" بنظام قومي فارسي متشدد، سواء ارتدى هذا الأخير عباءة العسكرية أو عاد برداء الملكية، لا يقدم لهم سوى استمرار التهميش والإقصاء عن المشاركة في بناء المستقبل المشترك.

في المقابل، تأتي الحركات المدنية النسوية برؤية ثورية وفكر تقدمي يرفض فكرة "تأليه القائد" بشكل مطلق بغض النظر عن مسماه أو رمزيته. وتتبنى هذه الحركات نموذجاً قائماً على "الجمهورية البرلمانية الفيدرالية"، التي تقوم على إعادة هيكلة النظام المركزي لمصلحة توزيع الصلاحيات والموارد بصورة عادلة بين الأقاليم والمناطق المختلفة. هذه الرؤية تهدف إلى تفكيك القبضة المركزية الخانقة لطهران، وفتح المجال أمام مفهوم أعمق للمساواة والحرية بما يحقق تمثيلاً حقيقياً وإدارة شاملة تلبي تطلعات الجميع.

كماشة المصالح الدولية وحسابات الشرق
في الوقت الذي تعمل فيه القوى المدنية على تحقيق رؤية "دولة المواطنة"، تتحرك القوى الكبرى ببراغماتية متجردة من العاطفة. روسيا، التي تخشى خسارة حليفها العسكري الأساسي، قد تدعم انقلاباً عسكرياً يضمن استقراراً أمنياً، لكنها لن تتورط عسكرياً لإنقاذ قيادة على وشك الانهيار. من جانب آخر، الصين تسير وفق مبدأ المصالح وليس الصداقات؛ فهي مستعدة للتفاوض مع أي بديل، سواء كان جنرالاً أو تكنوقراطياً، يضمن استمرار تدفق النفط. إلى جانب ذلك، تمارس بكين ضغوطها بهدوء على طهران لدفعها نحو تقديم تنازلات للإدارة الأميركية بقيادة ترامب، تفادياً لفوضى قد تؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة العالمية.



تايتانيك طهران
جهود النظام في تحسين صورته أو إبراز شخصيات "تكنوقراطية" تشبه تمامًا إعادة ترتيب الكراسي على ظهر سفينة تايتانيك الغارقة. إيران تواجه خيارين لا ثالث لهما: إما اصطدام قوي ينتج عنه انفجار شامل، أو انهيار تدريجي يحوّل البلاد إلى "أرخبيل" تتنازع فيه الجيوب الأمنية.
التغيير الحقيقي لن يتحقق عبر "طلقة انقلاب" أو "تاج ملكي" يعود، بل يتطلب إدراك الشعب أن إيران يجب أن تكون "وطنًا للجميع"، لا مجرد "غنيمة للغالب".