بين -رطل اللحم- و-زرّ الموافقة-: هل تغيرت أنياب القانون؟


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 12:02
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

في عام 1605، وقف "شايلوك" في محكمة البندقية ممسكاً بسكينه، مطالباً بـ "رطل من اللحم البشري" وفاءً لعقد وقعه التاجر أنطونيو بكامل إرادته. واليوم، في عام 2026، نقف جميعاً أمام شاشاتنا، نضغط ببرود على زر "أوافق على الشروط والأحكام" لنمنح شركات التكنولوجيا والتمويل حقوقاً قد لا تقل قسوة عن سكين شايلوك، لكنها مغلفة بلغة قانونية أكثر أناقة.

حان الوقت لنعيد النظر في الطريقة التي تُدرَّس بها مسرحية "تاجر البندقية" ونتجاوز الرواية التقليدية التي تقدّمها كقصة عن انتصار الخير على الشر. لقد وجب اليوم أن ننظر إليها على أنها مشغل عملي يوضح كيف يمكن للقانون أن يتحوّل إلى أداة لاغتيال الضحية بطريقة مُقَنَّعة وتحت غطاء شرعيته الظاهرة.
كفوا عن لوم "شايلوك". ذلك المرابي المنبوذ في أزقة البندقية لم يكن سوى هاوٍ مبتدئ مقارنة بـ "وحوش العقود" الذين يديرون حياتنا اليوم من ناطحات السحاب. في مسرحية شكسبير، كان الصراع دموياً وواضحاً، أما اليوم، فالاستغلال يرتدي ثوب "الرحمة" ويحمل حقيبة محاماة فاخرة، والقانون – كما كان دائماً – لا يرحم المغفلين، بل يمنح المتذاكين رخصة لسلخ جلودهم قانونياً.

ما قامت به "بورتيا" في محكمة البندقية لم يكن تجسيدًا للعدالة كما يتم تصويره عادة، وإنما كان شكلًا من أشكال الإرهاب القانوني الناعم والمموه، الذي نجد أصداءه تتكرر في واقعنا المعاصر، حيث تُمارَس القوانين بدمٍ بارد لإجبار الأفراد البسطاء على توقيع عقود إلكترونية طويلة ومعقدة، ثم يتم استغلال أول خطأ أو تعثر لاستنزاف جزء كبير من حياتهم وكرامتهم.

إن الألم الحقيقي الذي تكشفه هذه المسرحية لا يكمن فقط في صورة "شايلوك" كمُنفِّذ صارم لأشد أنواع الانتقام، بل يتمثل في النفاق الذي يحيط بالمجتمع الذي يصفق لبورتيا بانتصارها ويغض الطرف عن عواقب خطابها السالب. "بورتيا" ليست سوى تجسيد مبكر لنموذج "محامي الشركات"، ذلك المحترف الذي يتقن فن الإقناع باليمين مستخدمًا لغة تبدو مليئة بالشفقة والرأفة، بينما يعمل باليسار على التلاعب بثغرات القانون لتوجيه الضربات القاسية.
نحن الآن في عالم لا يزال فيه نموذج بورتيا يحظى بالتقديس؛ عالم يتيح للسلطة والمال امتياز إعادة توجيه الكلمات لصالحها وإنقاذ شركائها، بينما يحول القانون إلى أداة قمع لأولئك الذين لا ينتمون إلى دائرة الامتيازات هذه.

ليس الأمر مجرد قصة قديمة ترويها صفحات الأدب، بل هو انعكاس حيّ للواقع الذي نعاني معه عندما يصبح القانون سلاحًا يستخدم ضد الفئات الأضعف، بينما يتم استخدامه لحماية المصالح الشخصية والنخبوية تحت ستار الشرعية والعدالة. علينا أن نتوقف عن الاحتفاء ببورتيا كبطلة وننظر أعمق إلى طبقات هذا النفاق المجتمعي والقانوني الذي ما زالت مسرحية شكسبير تفضحه ببلاغة لا تزال تنطبق على عصرنا.
أيها الأصدقاء، العبارة الشهيرة "القانون لا يحمي المغفلين" ليست سوى تجسيد صارخ للوقاحة البشرية، تلك العبارة التي تحمل في طياتها إقراراً ضمنياً بأن "القانون أُوجد، من حيث الفعل لا القول، ليحمي المحتالين ممن يمتلكون دهاءً يفوق غيرهم". وهذا ما يدفعنا للتساؤل: هل هنالك جوهرٌ مختلف بين المفهوم المجرد لـ"رطل من اللحم"، الذي كان محوراً لأحد أشد المواقف بؤساً في أدب شكسبير، وبين تلك الفوائد الربوية التعجيزية التي تنهش رواتب الكادحين دون رحمة؟ أو بين السكين الحادة التي تقطع اللحم قديماً وخوارزميات التتبع الحديثة التي تنتزع خصوصياتنا جهاراً نهاراً، مقابل وهم التطبيقات المجانية؟
إن الحقيقة الوحيدة التي تفرض نفسها هي أننا نشهد عصراً جديداً من القمع؛ حيث تبدّلت الأدوات، فحلّت "الخوارزميات الباردة" محل "السكين المسلول"، غير أن النتيجة واحدة: ضحية مستنزفة اقتصاديًا ومجتمعيًا.

في هذا السياق، يبدو أننا نعيش حقبة غريبة نُربّي فيها جيلاً يعتقد أن الذكاء هو القدرة على اقتناص "الثغرات" بدلاً من إقامة دعائم "العدل". أصبحنا كلنا، وبدرجات متفاوتة، مثل أنطونيو؛ أولئك المغامرين الساذجين الذين وقعوا على ورقة بيضاء تمنح التحكم الكامل لشركات جشعة تمتلك ليس فقط الحانة والخمر ولكن القاضي والجلاد أيضًا.
إنه لواقع مرير، إذ إن شايلوك خسر قضيته قديماً لأنه كان يهودياً في مجتمعٍ يحمل تعصبًا مسيحياً. أما اليوم، فالفرد يخسر حقوقه لأنه إنسان يعيش في ظل مجتمع رقمي مُتعطش للبيانات والأكواد، مجتمعٍ جاف لا يعترف إلا بالرموز المجردة والأرقام القاسية.

دعونا نتوقف عن الانخداع برونق الجلادين وصورتهم المصطنعة. بورتيا لم تكن يوماً قديسة كما تخيّلها البعض، بل كانت عجلة دائمة في ماكينة البطش التي لا تخدم إلا مصالح النخب المخملية المستأثرة بالثروات.
وأنت، في كل مرة تضغط فيها على خيار "أوافق" دون تمعّن، لا تفتح باباً نحو عالم مريح متخم بالخدمات كما يُخيّل إليك، بل تدخل باختيارك معتركاً من الاستغلال الممنهج تحت يافطة القوانين الملتوية.
هذه الموافقة ليست سوى بوابة لدخول "مسلخ قانوني"، حيث العدل مفهوم نسبي والرحمة غدت مجرد شعار تسويقي أجوف. وحده النص الكثيف الدقيق الذي لم تكلف نفسك يوماً عناء قراءته يحمل السكين الخفي، الذي صُمّم عمداً ليبقى خارج متناول عينك فلا تقرأه، فيما يُتقن صانعوه لعبة تعجيزك بإتقانه وإحكامه.

2025-01-15
مالمو