من -خداع الزهد- إلى -إمبراطوريات النهب-


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 00:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

رحلة السلطة والمال في دهاليز الدكتاتورية


بين معطف عسكري قديم يرتديه زعيم يمتلك أرواح الملايين، وبين طائرات خاصة وعقارات عالمية يمتلكها "أمراء المحاصصة" اليوم، تبرز قصة العراق وصراع السلطة فيه كأوضح نموذج للتناقض بين "الزهد المدّعى" و "النهب المشرعن". إن فهم الحقيقة يتطلب الغوص وراء المظاهر، لندرك كيف تحول الحاكم من "خادم للدولة" بالصورة، إلى "مالك للدولة" بالفعل.

أسطورة "الزعيم الفقير": ستالين وصدام نموذجاً
تاريخياً، ارتدى قادة مثل جوزيف ستالين وصدام حسين عباءة التقشف كأداة دعائية عبقرية. ستالين، الذي لم يترك خلفه عند وفاته سوى بضع سترات وغليون، كان في الواقع يتحكم في ميزانية إمبراطورية عظمى. لم يكن يحتاج لحساب بنكي، لأن الدولة بأكملها كانت حسابه المفتوح؛ عشرات القصور (الداتشا) والخدم والحرس كانوا تحت تصرفه المطلق بتمويل عام.

هذا "الخداع الأيديولوجي" تكرر مع صدام حسين، الذي كان يطلب من الشعب التبرع بالذهب للمجهود الحربي في "القادسية"، بينما كانت دول الخليج تمول حربه، ليفاجئ الجميع لاحقاً بظهوره في احتفالات ميلاده على عربة من الذهب الخالص. لقد كان الزهد في المظهر (البدلة العسكرية) درعاً يحمي الحاكم من تهم الفساد التقليدي، ويمنحه شرعية "الزاهد" أمام الجماهير الكادحة.

الانحدار إلى "الكليبتوقراطية": عصر الإمبراطوريات العائلية
بيد أن المشهد العراقي بعد عام 2003 شهد تحولاً جذرياً؛ فبدلاً من "دكتاتورية الفرد" التي تخفي استهلاكها خلف مسمى "القصور الرئاسية"، برزت "الإمبراطوريات العائلية". هنا، لم يعد النهب مستتراً أو "مؤسسياً"، بل أصبح علانية وفجاً.

المسؤولون اليوم، لم يعودوا بحاجة لارتداء "معطف ستالين". فالعقارات في سويسرا، واليخوت في دبي، والقصور في أربيل والسليمانية والأنبار والبصرة، تُسجل بأسماء شخصية وتُمارس فيها الرفاهية أمام أعين العالم. وتكمن المعضلة الكبرى في "التضخم العائلي"؛ فبينما كان هناك "رأس واحد" ينهب سابقاً، يوجد اليوم آلاف "الأباطرة الصغار" من أبناء وأحفاد العوائل الحاكمة، وكل منهم يطلب ميزانية "إمبراطورية" لتمويل نمط حياته، مما يجعل ميزانية العراق عاجزة عن إشباع نهم لا ينتهي.

تبييض الأموال تحت غطاء "الشرعية الدولية"
ما يميز النهب الحديث هو كونه عابراً للحدود وبغطاء دولي. فبينما كانت ثروة الدولة قديماً تبقى (نظرياً) داخل أصول الدولة، تخرج أموال العراق اليوم إلى حسابات شخصية وشركات واجهة في الخارج، تحت أنظار البنوك العالمية والحكومات الكبرى التي تتعامل مع هؤلاء "الشركاء" رغم علمها بمصادر ثرواتهم. لقد تحولت الدولة من كيان سياسي إلى "شركة استثمار عائلية" تتقاسمها الأحزاب بالمحاصصة.

التغيير الحتمي: عندما تأكل المافيات نفسها
رغم قتامة المشهد، فإن قوانين التاريخ لا تحابي أحداً. يرى المتابعون أن هذا الوضع المزري يحمل بذور فنائه بداخله؛ فبقاء هذه الإمبراطوريات مرهون بـ "الوفرة الريعية" (النفط والغاز). ومع التحولات العالمية الكبرى نحو الطاقة البديلة وبوار أسواق الوقود الأحفوري، ستجف منابع السيولة التي تشتري بها هذه العوائل ولاء الحواشي والحمايات.

في تلك اللحظة، عندما لا تكفي الكعكة الجميع، ستبدأ "المافيات" بأكل نفسها. الصراعات الداخلية على الموارد المتبقية ستفكك هذه الإمبراطوريات من الداخل. إن "الجيل الجديد" الذي نشأ وهو يرى ثرواته تذهب لجيوب العوائل لن يبقى صامتاً، ولكن "الحسم الحقيقي" سيكون نتاج التقاء هذا الوعي الداخلي مع التحولات العالمية التي ستنزع الغطاء المالي والسياسي عن "إقطاعيات القرن الواحد والعشرين".

إن الدولة التي تُنهب كـ "غنيمة" لا يمكن أن تستمر. وكما سقطت أساطير "الزعماء الزاهدين" تحت وطأة التاريخ، فإن "إمبراطوريات النهب" العلني ستواجه مصيرها عندما تبور الأسواق وتتصارع المافيات على الفتات الأخير.

أَكَلتمْ جَناها ثمّ قُلتمْ لِأهلِها .. كُلوا الشِّيحَ والقَيصومَ والريحَ والذَّرا

للشاعر العراقي الشهير معروف الرصافي.

قاله الرصافي في قصيدة لاذعة يصف فيها حال السياسيين والحكام في عصره، الذين يستأثرون بخيرات العراق وثرواته لأنفسهم، بينما يطالبون الشعب بالصبر والعيش على القناعة و"أكل الريح".

وهو بيت يجسد تماماً فكرة المقال: الاستحواذ على "الجنى" (الثروة) وترك "الشيح" (المرارة والفقر) للشعب.


المسؤولون والحكام في عهد الرصافي مقارنة بالحاليين، ملائكة الرحمن.

هذه هي المفارقة المؤلمة التي يرددها العراقيون اليوم؛ فرغم أن معروف الرصافي كان يرى في حكام عصره (إبان العهد الملكي وبدايات العهد الجمهوري) قمة الجور والفساد، إلا أن المقارنة مع "مافيات" اليوم تجعل من أولئك يبدون كـ "ملائكة" أو على الأقل "رجال دولة" لديهم خطوط حمراء.
في عهد الرصافي، كان المسؤول قد يختلس أو يحابي، لكنه كان يخشى الفضيحة، ويحسب حساباً للبرلمان والمحاكم وللصحافة وللسمعة الاجتماعية. أما اليوم، فالنهب أصبح "هوية" و"شطارة"، والمسؤول يتباهى بثرائه الفاحش أمام الكاميرات دون أدنى خوف من قانون أو رادع أخلاقي.

الحكام القدامى، رغم عيوبهم، كانوا يسعون لبناء "دولة" (مستشفيات، جامعات، ري، وجيش) ليكونوا هم أسياداً على دولة قوية. أما الحاليون، فيتعاملون مع العراق كـ "منجم" أو "محطة وقود"؛ ينهبون المورد ويهربون المال للخارج، ولا يبالون إذا انهارت الدولة أو غرقت في النفايات والجهل، لأن "وطنهم" الحقيقي هو حيث تقع حساباتهم البنكية.



مالمو
2026-04-16