جنازة النظام الدولي في مضيق هرمز


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 17:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

هل انتهى زمن "الملاحة المحمية"؟

أزمة مضيق هرمز الأخيرة لم تكن مجرد استعراض للقوة العسكرية، بل كشفت النقاب عن الوهن الذي أصاب المؤسسات الدولية التي أنشئت لحماية حرية التجارة العالمية. العالم اليوم يواجه حقيقة صارخة: الأنظمة الدولية التي تدّعي حراسة "المنافع العامة العالمية" أصبحت عاجزة وسرعان ما تنهار عند أول امتحان حقيقي في ممرات الطاقة الحيوية.

الأحداث أظهرت أن "اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار" تبدو بلا جدوى أمام تهديدات المسيّرات والزوارق الهجومية. عجز المجتمع الدولي عن إرساء منطقة آمنة للملاحة جعل من الممر المائي ساحة صراع تخضع لقواعد القوة والابتزاز، بينما تقف المؤسسات الدولية متفرجة في صمت يثير الحرج.

وكالة الطاقة الدولية، بدورها، تحولت من جهة تنظيمية للسوق إلى جهاز يروّج لوعود جوفاء. الإفراط في استهلاك المخزونات الاستراتيجية ليس سوى اعتراف ضمني بالإخفاق المؤسسي في ضمان تدفقات الطاقة المستدامة. هذه الموارد، التي تمثل "الملاذ الأخير"، تستخدم الآن بطريقة عشوائية لتغطية فشل السياسات، مما يجعل الاقتصاد العالمي أكثر هشاشة في مواجهة أزمات المستقبل.

في ظل انعدام الضمانات المؤسسية، انتقلت سلطة التحكم في قرار "فتح أو إغلاق" مضيق هرمز من أيدي الأمم المتحدة والدول الكبرى إلى قبضة سماسرة التأمين في لندن. وعندما تعجز المؤسسات الدولية عن توفير الحماية لممر مائي حيوي، تصبح "أقساط أخطار الحرب" العامل الحاسم في تحديد مصير التجارة العالمية، ما يمثل واحدة من أكبر عمليات "خصخصة" أمن الطاقة في التاريخ الحديث.

واشنطن وحلفاؤها، الغارقون في متاهة حسابات سياسية واقتصادية داخلية مضطربة، أثبتوا أن مسؤولية "تأمين الممرات" تحولت إلى عبء ثقيل لا يرغب أي طرف في تحمله منفرداً. هذا الفشل المؤسسي أدى إلى ظهور استراتيجية "الإغلاق الناعم"، حيث يكفي خلق مناخ من "اللا-أمن" للحد من هيمنة القوى التقليدية وكشف عجزها عن توفير الحماية ولو لناقلة نفط واحدة دون تحمل تكلفة سياسية باهظة.

ما يتكشف بوضوح صادم هو نهاية حقبة كانت فيها المؤسسات الدولية قادرة على ضمان استقرار الأسواق من خلال القواعد والاتفاقيات. اليوم، تحول المشهد إلى ما يشبه غابة جيوسياسية تتهاوى فيها سلاسل القيمة العالمية—من النفط وحتى البتروكيماويات—بينما لا تقدم المؤسسات الدولية سوى بيانات تعبر عن القلق.

إعادة فتح مضيق هرمز لا تحتاج إلى مزيد من الحشود العسكرية فقط، بل تتطلب نظاماً دولياً جديداً يمتلك القوة والقدرة على فرض الاستقرار بفعالية. دون هذا، سيظل الاقتصاد العالمي رهينة لتقلبات القوى الإقليمية المنفلتة، وستستمر البشرية في دفع ثمن هذا "الإفلاس المؤسسي" عبر موجات تضخم وركود تزداد حدة ولا ترحم أحداً.

لم يعد استقرار سوق الطاقة العالمي مرتبطًا فقط بفتح أو إغلاق ممر مائي، بل بات يعتمد بشكل أكبر على قدرة النظام الدولي على التعامل مع "سيكولوجية الخطر". وفي الوقت الذي لا تزال فيه إيران تمتلك القدرة على تنفيذ "إغلاق ناعم" عبر وسائلها غير التقليدية، تجد القوى الكبرى نفسها مقيدة بسبب التكلفة المرتفعة لأي تدخل عسكري. النتيجة هي بروز واقع جديد يتميز بحالة من "انعدام الأمن المستدام والمتحكم به"، حيث تتحول الدبلوماسية المؤسسية وضمانات التأمين إلى الأدوات الحاسمة لإعادة فتح المضيق اقتصاديًا، وليس فقط عبر القوة العسكرية.

إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد خرق تقني لقانون الملاحة البحرية، بل هو انعكاس لظاهرة وحدة القوانين الدولية ؛ فلا يمكن عزل أمن البحار عن قدسية السيادة البرية أو حرمة الأجواء. إن الفشل المؤسسي الذي نشهده ناتج عن انتقائية القوى الكبرى في تطبيق المواثيق، حيث يتم تجاوز الأمم المتحدة ومجلس الأمن لشن هجمات مباغتة تضرب عرض الحائط بمبدأ السيادة الوطنية. هذا الخرق الأصلي للميثاق الدولي في البر، شرعن بالضرورة خرقاً مقابلاً في الممرات المائية تحت ذريعة الدفاع عن النفس. وبدلاً من أن تكون المؤسسات الدولية حكماً عادلاً يفرض التفاوض، تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات، مما دفع الأطراف المتضررة لابتكار استراتيجيات الإغلاق الناعم للرد على العدوان. والنتيجة هي أن العالم لم يعد يدفع ثمن عجز التقنية العسكرية عن حماية الملاحة فحسب، بل يدفع ثمن انهيار المنظومة الأخلاقية والقانونية الشاملة التي كان يُفترض بها أن تلجم قوانين الغاب قبل أن تصل شراراتها إلى مضيق هرمز.

مالمو
2026-03-18