عقيدة -الانتحار الاستراتيجي-: يكرر نتنياهو خطيئة صدام حسين
حميد كوره جي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 02:00
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في قراءة معمقة للتاريخ السياسي للمنطقة، تبرز مفارقة صارخة تجمع بين شخصيتين فرقتهما الأيديولوجيا وجمعهما "الغرور القاتل". فكما اندفع صدام حسين في مغامرات استنزفت مقدرات بلاده، يبدو أن بنيامين نتنياهو يسير اليوم على ذات الدرب، محولاً إسرائيل من "قوة إقليمية صاعدة" إلى "ثكنة معزولة" تواجه مستقبلاً ضبابياً.
عاد الجدار النفسي بين إسرائيل ومحيطها أقوى مما كان عليه قبل عقود، وتبخرت أحلام التكامل الاقتصادي والأمني الذي كان سيجعل إسرائيل جزءاً طبيعياً من المنطقة.
فخ الجغرافيا وصمود "الامتصاص"
إن الحماقة الكبرى التي ارتكبها نتنياهو تكمن في سوء تقديره لطبيعة الصراع مع إيران. فإيران اليوم ليست كما كانت في ثمانينيات القرن الماضي؛ إنها قوة تمتلك "نَفَساً استراتيجياً" طويلاً وقدرة فائقة على امتصاص الضربات القاسية دون الانهيار. الرهان على أن القوة العسكرية الغاشمة وحدها يمكن أن تفكك نظاماً متجذراً أو تنهي برنامجاً نووياً هو رهان خاسر، لأن العلم والمعرفة لا يمكن قصفهما بالطائرات، والتوازن النووي -الذي تحاول إسرائيل الهروب منه- قد يصبح هو المخرج الوحيد لفرض "ردع متبادل" بدلاً من الانزلاق نحو حرب شاملة.
وهم إسقاط النظام: سوء فهم لتركيبة "الهيدرا"* الإيرانية
يتجلى قصور رؤية نتنياهو وترامب في تبنيهما هدف "إسقاط النظام الإيراني" كاستراتيجية معلنة، وهو توجه يكشف جهلًا عميقًا بطبيعة السلطة في إيران. على عكس الأنظمة الديكتاتورية التقليدية "ذات الرأس الواحد" التي تسقط بزوال قائدها (كما حدث مع نظام البعث في العراق أو القذافي في ليبيا)، فإن النظام الإيراني يتميز بهيكلية مؤسساتية وأيديولوجية معقدة. يمكن تشبيهه بأسطورة "الهيدرا"، حيث يؤدي قطع رأس واحدة فقط إلى ظهور أخرى تأخذ مكانها بسرعة لإدارة المشهد.
إضافة إلى ذلك، فإن التعويل على الحراك الداخلي في إيران لتغيير النظام يعكس قراءة غير دقيقة للوضع، وهو ما تجاهله نتنياهو تمامًا. فالمعارضة الإيرانية الحقيقية، رغم تناقضها مع النظام القائم، لا تدعم أي تغيير يفرض من الخارج عبر التدخل العسكري أو من خلال تدمير البلاد. الأقليات الإيرانية، من ناحيتها، لا تتطلع إلى تقويض كيان الدولة بل تسعى لتحقيق العدالة وضمان الحقوق المتساوية، وغالبًا ما تتحد مع المركز عندما تواجه إيران تهديدات خارجية تمس وجودها.
أما الرهان على المعارضة الخارجية التي تُصنع وفق مقاييس غربية، فقد أثبت فشله الذريع مسبقًا، كما حدث في العراق. واليوم، يعاد إنتاج هذا السيناريو بشكل كاريكاتوري لا يعبر عن حقيقة المزاج الشعبي الإيراني ولا يعكس طموحاته الواقعية.
وهم "التفرد" وفشل الردع العسكري
يرى المحللون أن ذروة الحماقة الاستراتيجية لنتنياهو تجلت في إصراره على هدف مستحيل وهو "تدمير" البرنامج النووي الإيراني بالكامل عبر القوة العسكرية أو العمليات الاستخباراتية. هذا النهج يتجاهل حقيقة تاريخية أثبتتها الحرب الباردة، وتثبتها اليوم المواجهة بين الهند وباكستان.
نموذج "الردع المتبادل" يتوفر في القارة الهندية حيث لم تمنع القوة العسكرية التقليدية الصراعات، لكن "التوازن النووي" بين دلهي وإسلام آباد هو الذي منع الحروب الشاملة وضمن نوعاً من الاستقرار القسري.
العلاج المرفوض هو أنه بدلاً من السعي وراء سراب "تصفية" القدرات الإيرانية –وهو أمر بات مستحيلاً تقنياً وجغرافياً– كان الأجدر بنظام يحكمه العقل (لا الأيديولوجيا) القبول بواقع "الردع المتبادل". فإسرائيل دولة نووية بامتياز، وامتلاك الخصم لسلاح مماثل كان سيخلق "توازن رعب" يجبر الطرفين على قواعد اشتباك منضبطة، تماماً كما حدث بين القوى العظمى.
ديمونا في المرمى: كسر الهيبة
الحماقة تضاعفت عندما استدرج نتنياهو إسرائيل لمواجهة مباشرة كشفت المستور؛ فوصلت المسيرات والصواريخ إلى محيط منشأة "ديمونا" النووية. هذا الاختراق لم يكن مجرد حدث عسكري، بل كان رسالة "جيوسياسية" مفادها أن التفوق النووي الإسرائيلي لم يعد يمنح حصانة مطلقة إذا استمرت سياسة الاستفزاز بلا كوابح.
تحطيم "قطار التطبيع" وسراب الأمن
قبل هذه المغامرة، كان "قطار التطبيع" يسير بثبات، واعداً بدمج إسرائيل في نسيج المنطقة. لكن نتنياهو حطم هذه الجسور لغايات شخصية، محولاً إسرائيل من "شريك محتمل" إلى "عبء سياسي وأخلاقي" حتى على حلفائها المقربين واللوبيات اليهودية العالمية. لقد أحيا القضية الفلسطينية بعد أن ظن أنها دُفنت، وأضعف إسرائيل داخلياً بشرخ مجتمعي واقتصادي قد يحتاج عقوداً لترميمـه، وجعل من "حل الدولتين" أمراً شبه مستحيل جغرافياً وسياسياً.
الجراح الغائرة واستحالة الحلول
إن الضرر الذي أحدثه نتنياهو ليس تكتيكياً يمكن ترميمه بانتخابات قادمة، بل هو ضرر "هيكلي". لقد عمّق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، وأضعف ثقة الجمهور في المؤسسة العسكرية، وجعل من "حل الدولتين" أمراً شبه مستحيل جغرافياً وسياسياً. هذا الانسداد يضع إسرائيل أمام خيارات مريرة: إما التحول لدولة فصل عنصري منبوذة دولياً، أو الذوبان في واقع "الدولة الواحدة" الذي يخشاه اليمين نفسه.
آخر العلاج: "الكي"
أمام هذا المشهد الضبابي، لم يعد هناك متسع للمناورات. إن "الأوساط الحكيمة" داخل إسرائيل، مدعومة بضغط دولي حقيقي ومن اللوبي اليهودي العالمي، هي المشرط الوحيد المتبقي لاستئصال هذا النهج قبل الانفجار الكبير. لقد أثبت التاريخ أن القادة الذين يربطون مصير شعوبهم بسلامتهم الشخصية، ينتهي بهم الأمر إلى تحطيم الدول التي ادعوا حمايتها.
(*) الهيدرا (Hydra): كائن أسطوري إغريقي متعدد الرؤوس، يتميز بأنه كلما قُطع له رأس نبت مكانه رأسان. يُستخدم المصطلح في التحليل السياسي لوصف الأنظمة المؤسساتية العقائدية التي لا تعتمد على "الفرد الواحد"، بل تمتلك مراكز قوى بديلة وخلايا قيادية جاهزة للاستمرار حتى في حال غياب الرأس الهرمي، مما يجعل استراتيجيات "إسقاط النظام" التقليدية غير ذات جدوى.
2026-03-24