إيران بين -سراب- الماضي و-واقعية- التحول الصامت


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 02:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

تعيش إيران اليوم مخاضاً سياسياً واجتماعياً يتجاوز ثنائية "البقاء أو السقوط" التقليدية. فبينما يرتفع ضجيج النقاشات في المنفى حول عودة الملكية كبديل، وتستمر الماكينة الرسمية في الداخل في ترديد شعاراتها القديمة، يتشكل في العمق مسار ثالث، مسار لا يعتمد على "الانقلاب المفاجئ" بل على التآكل البطيء والتحول الهيكلي من الداخل.

جدلية "الملكية" وعقدة الماضي

يطرح البعض، ومنهم أصوات في الشتات، عودة ابن الشاه كحلٍ "مدني" للخلاص من الاستبداد الحالي. لكن هذا الطرح يصطدم بحائط التاريخ والواقع؛ فالثورة ضد الشاه في 1979 لم تكن صدفة، بل كانت انتفاضة شعبية شاملة ضد نظام جلب الفوارق الطبقية الحادة واعتمد على أرستقراطية ضيقة وتهميش للفقراء.
إن الحنين الذي يراه البعض لدى فئات من الشباب ليس حباً في نظام "بهلوي" بحد ذاته، بقدر ما هو احتجاج على الحاضر. فالإيراني الذي يرفض القمع اليوم، لا يتطلع بالضرورة لاستبداد من نوع آخر، بل يبحث عن مستقبل لا يرتهن لرموز الماضي التي لفظها الشعب يوماً ما.



التآكل من الداخل.. عندما تنحني العقيدة للواقع

المعطى الأهم في إيران اليوم هو أن النظام لم يعد كتلة صماء. المؤسسات العقائدية، وعلى رأسها الحرس القديم، بدأت تدرك أن "غريزة البقاء" تقتضي التخلي عن "نقاوة الأيديولوجيا". نحن نشهد بداية اندماج هذه النخب في الطبقة الوسطى المنشودة. لقد تحول الثوار القدامى إلى مديري كارتيلات اقتصادية، وأبناؤهم أصبحوا جزءاً من نسيج اجتماعي يطمح للانفتاح والرفاهية.
هذا التحول يفرض على السلطة "ارتخاءً" تدريجياً في قبضتها؛ فنرى تراجعاً غير رسمي في فرض الحجاب، وعودة لبعض المعارضين والمثقفين، ليس كمنحة من النظام، بل كاعتراف بـ الأمر الواقع وبأن الناس لم يعودوا يطيقون العيش داخل قمقم الأيديولوجيا.

الجزرة الاجتماعية والعصا الأمنية


ومع ذلك، لا ينبغي أن يُفهم هذا الارتخاء الاجتماعي على أنه ضعف بنيوي؛ فالنظام الذي يسمح بهامش من الحرية الفردية، هو نفسه الذي يشدد المشنقة حول رقاب المعارضة المنظمة. إن استغلال ظروف الحرب لتصفية المعارضين بتهم التجسس والخيانة ليس مجرد إجراء أمني، بل هو استراتيجية لزرع اليأس في نفوس من يطمحون للتغيير الانقلابي. النظام هنا يقايض المجتمع: الحياة الخاصة مقابل الولاء السياسي المطلق. هذا البطش الانتقائي هو الذي يدفع الناس للقبول بـ التغيير البطيء كخيار وحيد متاح، بعد أن صار ثمن التغيير الراديكالي هو الموت بتهمة الخيانة العظمى.

هذا التوازن بين "إعدام المعارض" و "إعادة المثقف" هو ما يجعل هذا النظام قادراً على إعادة إنتاج نفسه بشكل جديد، حيث يدمج الرعب بالاحتواء في آن واحد.




النموذج الآسيوي.. "الخبز والكرامة" مقابل السياسة

يبدو أن إيران تتجه نحو سيناريو يشبه "النموذج الصيني" أو "الفيتنامي". في هذا السيناريو، لا يسقط الهيكل السياسي بضربة واحدة، بل يتغير محتواه. يقبل المواطن بـ "عقد اجتماعي" جديد يوفر له:


• الخبز: استقرار اقتصادي وفرص عمل.
• الكرامة الشخصية: هامش واسع من الحريات الاجتماعية والخصوصية.
• الأوهام القومية: الشعور بعظمة الدولة وقوتها الإقليمية.


في المقابل، تظل السلطة السياسية العليا بيد نخبة "براغماتية" تخلت عن راديكاليتها مقابل ضمان مصالحها واستمراريتها. هذا المسار هو "الهبوط الناعم" الذي يفضله الكثيرون في الداخل لتجنب ويلات الحروب الأهلية أو التدخلات الخارجية التي لا يُوثق بها.

إيران لن تعود لزمن التاج، ولن تبقى حبيسة زمن العمامة المتشدد إلى الأبد. البديل الحقيقي يطبخ الآن في شوارع طهران ومكاتب شركاتها الاقتصادية؛ إنه بديل "الضرورة" الذي تفرضه الحاجة للعيش الطبيعي. إنها رحلة التحول من "الدولة الثورية" إلى "الدولة القومية البراغماتية"، حيث يصبح البقاء هو الهدف الأسمى، وتصبح الحريات حقوقاً تُنتزع بالتراكم لا بالهتافات فقط.
2026-04-25