حول مشاركة الشيوعيين كتنظيم وأفراد في الطقوس الدينية والمجتمعية
حميد كوره جي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 02:48
المحور:
في نقد الشيوعية واليسار واحزابها
بين أيديولوجيا التنظيم وهوية المجتمع: هل تنقذ "العلمانية الداخلية" الأحزاب الشيوعية من الانعزال والانتهازية؟
تجد الأحزاب الشيوعية في العالم العربي والبلدان المسلمة نفسها تاريخيًا أمام معضلة متجددة: كيف توازن بين الحفاظ على نقائها الفكري والانخراط في مجتمعات شديدة التمسك بهويتها الدينية والثقافية؟ بين الانعزال الراديكالي في "أبراج عاجية" والذوبان الشعبي الذي يطمس هوية الحزب، أطرح هنا فكرة تدعو إلى معادلة مرنة: "شارِكوا كأفراد.. لا كحزب".
لكي نفهم أبعاد هذه المعضلة، لا بد من المقارنة بين تجربتين تاريخيتين مختلفتين تماماً في التعاطي مع المناسبات الدينية. في الماضي، كانت مجاميع من الشيوعيين والوطنيين يشاركون، بل ويقودون، مواكب حسينية—خاصة في المدن الدينية—لتوظيفها كمنبر لترديد شعارات تحريضية وتحفيزية ضد السلطة، ولم تكن تلك المواكب تُقحم اسم الحزب رسمياً رغم معرفة الناس بهوية قادتها. كان الحسين يُستدعى كرمز ثوري ضد الظلم، لا كطقس عاشورائي خالص.
لكن بعد سقوط الديكتاتورية وتعاظم المد الشعبي الشيعي المترافق مع تصاعد وتائر التعبير عن المظلومية، ذهب بعض الشيوعيين إلى زج تنظيماتهم ورفاقهم للمشاركة الرسمية في رفع شعارات هذه المظلومية. هذا السلوك الأخير لا يعكس امتداداً للماضي، بل يمثل بؤساً سياسياً وقصر نظر؛ إذ تحول إلى محاولة مستهجنة لكسب العطف والتقرب من الجماهير البسيطة ومن أحزاب السلطة على حد سواء. إن هذا الفعل يشير بوضوح إلى إفلاس سياسي، وأمية واضحة في فهم منهجية الفكر العلماني، وعجز عن إدراك أدوات العمل الحقيقية للوصول إلى الناس.
معضلة المشاركة الرسمية: التحدي بين الفرد والكيان
تشكل مشاركة الأحزاب الشيوعية بصفاتها الرسمية في مناسبات دينية عريقة تحديًا جوهريًا لهوية التنظيم. فالحزب، بصفته كيانًا سياسيًا، يستند إلى مبادئ المادية الجدلية والتفسير العلمي للتاريخ. وإذا انخرطت التنظيمات الحزبية بشكل رسمي في الطقوس الدينية، فإنها تصبح عرضة للمساومات السياسية والمجاملة الشكلية، مما يهدد استقلالها الفكري ويثير اتهامات قد تكون مبررة بالانتهازية واستغلال المشاعر الدينية بغرض كسب الجماهير بطرق تبدو ملتوية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أعضاء الحزب ليسوا كيانات معزولة عن واقعهم الاجتماعي والثقافي؛ فهم جزء من نسيج مجتمعاتهم، يعيشون بين عائلاتهم وأصدقائهم في بيئة تحمل تقاليدها ومناسباتها. فرض قيود صارمة تمنع العضو من مشاركة مجتمعه في أعياده أو أحزانه يمكن أن يحوّل الحزب إلى ما يشبه جماعة مغلقة، مما يعمق العزلة بين كوادره وبين محيطهم الطبيعي.
هناك بعض التقاليد التي تستحق النقد وربما النبذ، لكنها مع ذلك تمثل واقعًا ثقافيًا وإنسانيًا يمكننا التعاطف مع ممارسيه بدلاً من الاكتفاء برفضه.
يذهب البعض إلى الاعتقاد بأن استمرار الفرد في الإيمان بمبادئه الفكرية أو السياسية الخاصة، مع مجالسته الآخرين أو تصرفه وفقًا لعادات "القطيع"، يُعد مثالًا على ازدواجية فكرية وسلوكية واضحة. ومع ذلك، فإن تبرير هذه الظاهرة قد يعكس نوعًا من الانتهازية أو محاولة للوقوف على الحياد بشكل غير مبدئي. إلا أنني أرى أن هناك حلاً اضطراريًا لهذه الازدواجية.
الحل يبدأ من تعزيز الوعي المستمر بمبادئ الحزب وأسس نظرته الجدلية للواقع، بحيث يدرك كل عضو أن انتماءه لتنظيم سياسي مختلف في طبيعته وأهدافه عن ثقافة السائد لا يجب أن يضعفه أو ينال من قناعاته. بل عليه أن يعي أن الالتقاء مع الآخرين في لحظات أو مناسبات معينة، لا يعني ذوبانه الكامل في هذا السياق أو التخلي عن هويته الحزبية والأيديولوجية.
الحل الأمثل هنا يكمن في تحقيق فصل صارم بين الجانب "المؤسسي" والجانب "الفردي". يتعين على الحزب أن يحافظ على استقلالية هويته السياسية وألا يخلط بين نشاطه الرسمي وبين المناسبات الدينية. وفي الوقت ذاته، تُترك مساحة الحرية الشخصية للعضو ليعيش إنسانيته واجتماعيته كما يشاء، دون أن يُقحم اسم الحزب ككيان في هذه الأفعال أو الطقوس.
الفضاء الثقافي: تحرير الإبداع من الخطاب الحزبي اليومي
هذا الفصل بين الحزبي والفردي يمتد بالضرورة إلى المجالات الثقافية والاجتماعية الأخرى. فالمثقف أو الأديب الشيوعي يحتاج إلى مساحة نقدية وجمالية تتيح له التعامل مع المنتج الفلسفي والفني دون قيود صارمة، حتى وإن كان ذلك المنتج يتبنى فكراً مخالفاَ.
تاريخيًا، أثبتت التجربة الإنسانية أن القيمة الفنية لا تطابق بالضرورة الموقف السياسي:
• قد يحمل نصٌّ شعري أيديولوجيا ثورية لكنه يفتقر تماماً للجمال والفن.
• قد يكون هناك عمل أدبي عظيم وإنساني، لكن صاحبه يتبنى أفكاراً رجعية أو مغايرة للاشتراكية.
إن منح الشيوعيين هامشاً فردياً يتيح لهم تذوق الإبداع وتحليله نقديًا باسمهم الشخصي، بعيداً عن الضغط التنظيمي الذي يحاول قسراً تسييس كل استعارة شعرية أو تعبير جمالي لصالح المعارك اليومية للحزب.
مطبات التنظيم: أين ينتهي الشخصي ويبدأ الحزبي؟
يصطدم هذا الطرح في أغلب الأحوال بتحدٍ تنظيمي مركب داخل بنية الأحزاب الشيوعية المركزية . المعضلة الكبرى هنا هي: كيف يفصل الجمهور في المجتمعات التقليدية بين السلوك الشخصي للكادر وبين موقفه الحزبي؟
في مجتمعاتنا، غالباً ما يُحسب سلوك الفرد على تنظيمه السياسي. فإذا شارك كادر شيوعي بارز في طقس ديني صاخب، أو أبدى إعجابه بأطروحة فكرية مناهضة لإيديولوجية الحزب، سيميل الرأي العام فوراً إلى تفسير ذلك باعتباره تحولاً في الخط الرسمي للحزب. هذا التداخل يتطلب من الأعضاء وعياً نقدياً حاداً وحساً عالياً بالمسؤولية، لضمان عدم الخلط بين حريتهم الشخصية والخط الفكري العام للحزب.
تُظهر القراءة التاريخية والواقعية أن الجماهير لم تكن يوماً خاضعة بالكامل لهيمنة فكرية واحدة، بل انحازت عبر المحطات المختلفة لقوى وتيارات متعددة ومنافسة. ومن هنا، تصبح الحاجة ملحة لصيغة متوازنة تقدم ما يمكن تسميته بـ "العلمانية الداخلية".
هذه الصيغة تحمي الهوية الفكرية والسياسية للحزب من التميع والانتهازية، لكنها في الوقت نفسه ترفع وصايته الصارمة عن السلوك الاجتماعي والثقافي لأعضائه، مما يشد عرى السلام المجتمعي. إنها دعوة عملية لترك المجال "المجتمعي للمجتمع"، ليتفرغ الحزب لقيادة المعارك السياسية والاقتصادية الأكثر إلحاحاً، مستلهماً في ذلك أطروحات المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي حول التمييز الذكي بين معارك "الهيمنة الثقافية" والعمل السياسي المباشر في المجتمعات.