الاختلافُ… وفن بناء الجسور (1)
فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن
-
العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 12:07
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
Facebook: @NaootOfficial
تصادف جلوسي في النادي أقرأ. على طاولة مجاورة رأيتُ مجموعة من الشباب والبنات. أصدقاءٌ فيما يبدو. على مدار الساعة التي قضيتُها في انتظار ابني حتى يُنهي تمرينه، لم يتبادلِ الأصدقاءُ كلمة، اللهم إلا كلمات قليلة مع النادل يطلبون منه العصائر والطعام. كان كلٌّ منهم غارقًا في شاشة هاتفه، يتحدثُ إلى عوالم بعيدة، منفصلا وعازفًا عن العالم القريب الجالس إلى جواره. مشهدٌ عجيب! وكأن رسامًا قد طلب إليهم ألا يتحركوا حتى ترسم ريشتُه ملامحَهم الساكنة. سبعةُ أجساد على مائدة واحدة، وسبع أرواح في قارات متباعدة. مرّت على صفحة ذاكرتي مشاهدُ من أفلام قديمة، كان الناس فيها يتناقشون ويتمازحون ويختلفون حول موائد الطعام، ثم ينهضون منها أصدقاءَ كما جلسوا، يتواعدون على اللقاء القادم. كيف صرنا اليوم نزداد تباعدًا وانفصالا وافتراضية؟ وكأن التكنولوجيا التي نجحت في تقريب المسافات بين القارات، نجحت أكثر في توسيع المسافات وتعميق الهوّات بين القلوب.
هنا خطر لي سؤالُ الاستقطاب. كيف نجح أسلافُنا في العيش معًا، رغم اختلاف الأفكار والمعتقدات والمصالح والأحلام، وأخفقنا؟ هذا السؤال ليس سياسيًّا، وإن بدا كذلك، بل هو سؤالٌ إنسانيٌّ وثقافيّ ومجتمعيّ. فالمجتمعات لا تتفكّك حين تختلفُ الآراء، بل حين يفقد الناسُ القدرةَ على الإصغاء. ولا يتماسك المجتمعُ لأن الجميعَ متشابهون، بل لأنهم يتقنون فنَّ بناء الجسور رغم الاختلاف. الاختلافُ ثراءٌ، والخلافُ انهيار.
في بدايات الحضارات كانت المدن تُبنى من الحجر. أما اليوم فالمجتمعات تُبنى من الكلمات. وحين تضعفُ الكلماتُ، ترتفع الجدرانُ والحواجز بين البشر. حين يتراجع الحوارُ، يتقدم الصراخ. وحين نعجز عن سماع الآخر، نبدأ في الخوف منه، ثم كراهيته، ولا يتبقى إلا نفي حقّه في الوجود.
"الاستقطاب"، في أصله مصطلحٌ فيزيائي وكيميائي. لكن المصطلح يأخذ سمته السياسي والاجتماعي حين يحدث انقسامٌ حادٌّ في نسيج المجتمع وتتقلص المساحات الوسطية، فينحاز الأفرادُ إلى مواقف أيديولوجيات متطرفة، فنسمع عبارة: "نحن" ضد "هم". يحدث هذا بسبب ضعف لغة الحوار والمثاقفة، والتحيزات الإعلامية، وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التي تعزل الأفراد داخل فقاعاتٍ فكرية تشبه آراءهم فقط. وهذا، بكل أسف، صار أحد أعراض عصرنا. عصرٌ مَنَح كلَّ إنسان منبرًا، لكنه لم يمنحه حكمة استخدامه. عبر منصّات التواصل، صار بإمكاننا التحدث إلى العالم كله، لكننا بِتنا أقلَّ قدرةً على الإنصات. نعيش داخل دوائرَ مغلقة من الآراء المتشابهة، ونظن أن العالم كله نسخةٌ منا. فإذا صادفنا رأيًا مختلفًا، تعاملنا معه كما لو كان تهديدًا، لا اجتهادًا آخر في فهم الحياة.
ولعلّ هذا هو التحدي الأكبر الذي علينا مواجهته اليوم: كيف نحافظُ على وحدتنا دون أن نتشابه؟ وهذا مبدأ معماري جميل تعلمناه في كلية الهندسة يربط فنَّ العمارة بعلم الجمال والفلسفة. المبدأ اسمه Diversity within Unity أو التنوّع عبر الوحدة. هذا المبدأ العبقري هو الذي يصنع سيمفونية بصرية ساحرة توازِنُ بين التنوع والتوحد، ويحمي التصميم المعماري من الوقوع في فخّين: الملل الناتج عن الرتابة، والفوضى الناتجة عن التشتت. وما ينطبق على العمارة ينطبق قطعًا على المجتمع. فهذا المبدأ يمكننا من أن نصون وحدتنا دون أن نُصادر اختلافاتنا.
الحضارة المصرية عبر آلاف السنين علّمتنا أن احترام التعددية ليس شعارًا أخلاقيًا جميلًا فحسب، بل ضرورةٌ وجودية وحتمية حضارية. فمصر لم تُصنع من عنصر واحد، ولا من طبقة ثقافية واحدة، بل من طبقات متراكبة من البشر والأفكار واللغات والديانات والتجارب. كانت دائمًا مساحةً للقاء والتفاعل، أكثر منها مساحةً للتطابق. وهكذا دائمًا؛ قوة المجتمع لا تُقاس بمدى تشابه أفراده، بل بمدى قدرتهم على الحياة الجميلة رغم الاختلاف والتنوع، الذي من شأنه أن يخلق الثراء، لا الشتات.
هنا يأتي دور الثقافة والفنون، والقوى الناعمة بوجه عام. مخطئٌ مَن يرى الفنون نوعًا من الترف الجميل. بل هي إحدى أدوات البقاء. فالإنسان لا يقرأ الرواية ليقتل الوقت، بل ليعيش حياةً أخرى غير حياته. ولا يشاهد المسرحية أو الفيلم للتسلية، بل ليتدرب على رؤية العالم بعيني شخص آخر، بل شخوص آخرين. هنا يتمرّن المِخيالُ البشري فيصير أخصبَ وأقدر على إنعاش الخيال. فتصيرُ "الأنا" "أنا عُليا" حين تحترم "الهو"، أي الآخر. هنا ينحسرُ التعصّبُ ويبدأ المجتمع في الترقي والازدهار. فالتعصب يبدأ حين يعجز الإنسانُ عن تخيل الآخر، ويخفق في أن يشعر بمشاعره، فيكون من السهل عليه جرحه، بل اغتياله معنويًّا. والأدب العظيم تدريب يومي على هذا التخيّل. وكذلك الفنون الرفيعة، التي هي أهم الجسور غير المادية التي توحّد البشر، رغم تنوعهم. السياسة ترسم حدود الخرائط، بينما الثقافة ترسم خرائط القلوب. وعن تلك الجسور الخفية التي تبنيها الثقافة بين البشر، نواصل الحديث في المقال القادم، يوم الاثنين القادم بإذن الله.
***