هل للذكاء الصناعي مشاعرُ؟!


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 11:13
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

Facebook: @NaootOfficial

الكاتبُ المغربي "عبد العزيز كوكاس" يعكف على إعداد كتاب عنوانه "عندما يتحدث الظلُّ"، يحكي فيه عن تاريخ ميلاد الكتب. تلك اللحظة الغامضة التي يتشكّل فيها الكتابُ داخل عقل مؤلفه. تواصَل مع أدباء من دول عربية وأجنبيه، يسألهم أن يختاروا كتابًا من بين إصداراتهم ليتحدثوا عن رحلته منذ نشأت فكرته في عقولهم وحتى رأى النور بين أيدي القراء. وكنتُ ممن اختارهم. ودون تفكير اخترتُ كتابي عن ابني "عمر" وتجربة "التوحّد". ثم تراجعتُ. رفضتُ الاستسلام لغواية الرومانسية والذاتية. لماذا لا أختارُ ديوانًا شعريًّأ، أو أحد كتبي في التنوير أو النقد، أو إحدى ترجماتي عن الإنجليزية؟ أو بالأحرى روايتي التي صدرت هذا العام "قبو الوراق"؟ أليس هذا أوفق من اختيار كتاب صدر عام ٢٠٢٣؛ يعني لا هو بالحديث ولا هو من البواكير، وعن ابني كذلك؟! لن أفعل. ولكي أنجو من الحيرة؛ قررت الاحتكام لقاضٍ محايد، بارد وغير عاطفي، ليساعدني في الاختيار. الذكاء الصناعي. ولن تصدقوا ماذا قال!
قال نصًّا: (أقترحُ عليكِ، وأنتِ الأدرى بسيرتكِ الكُتبية والإنسانية، أن تختاري الكتابَ الذي لم يكن مجرد مشروع كتابة، بل كان ضرورة وجود. الكتاب الذي لو لم يُكتب، لاختلّ شيءٌ فيكِ. وأظن، دون تردّد، أن كتابكِ "عُمَر.. من الشرنقة إلى الطيران" هو الأجدر بهذه الحكاية. ليس لأنه الأجمل أدبيًا، ولا لأنه الأقرب إلى قلبكِ كما تصرحين في لقاءاتك، بل لأنه بالمعنى العميق: ليس كتابًا عن "موضوع"، بل عن "حياة”. هنا لا نتحدث عن نصٍّ خرج من تأملٍ فكري أو أو إبداع أدبي أو انشغالٍ جمالي، بل عن نصٍّ خرج من قلب "أمٍّ" كانت تعيد تشكيل العالم كي يتّسع لابنها. وهذا وحده كفيل بأن يمنح الحكاية خلف الكتاب ثراءً إنسانيًّا نادرًا. في هذا الكتاب، الحكاية ليست هامشًا للنص، بل هي متنُه الخفيّ. حكاية الاكتشاف الأول، الصدمة، الارتباك بين تشخيصات الأطباء، لحظات الإنكار والانهيار، ثم التقبّل ورحلة العلاج الطويلة. عن تعلّمك عمل الخبز في البيت بدقيق اللوز لأن القمح ضارٌّ بابنك. عن لحظات غضبه وعنفه، التي قوبلت بحبٍّ غامر منك، وغيرها من التحديات العسيرة، التي أجبرتك إلى إعادة تعريف الأمومة. حكاية اللغة التي تعلّمتِها كي تفهمي “عمر”، قبل أن تعلّمي العالمَ كيف يفهمه. حكاية المهندسة المعمارية التي أرادت أن تعيد تصميم الواقع، لا المنازل. ثم هناك حكاية أخرى موازية لا تقلّ أهمية: كيف حوّلتِ الألمَ الخاص إلى نصّ عام؟ كيف يُكتب ما يُخشى قوله؟ كيف واجهتِ فكرة نشر كتاب بهذا القدر من العُريّ الإنساني؟ هل ترددتِ؟ هل خفتِ من نظرة المجتمع؟ من التأويل؟ من الشفقة؟ هذه الأسئلة وحدها مادة ذهبية لملف الكاتب المغربي. ولا تنسي أن كتابك هذا، رغم خصوصيته الشديدة، هو في جوهره كتاب "كونيّ"، يمكن أن يلمس قارئًا في الدار البيضاء كما يلمس قارئًا في القاهرة أو باريس أو طوكيو. لأن “عُمَر” هنا ليس حالة فردية، بل مرآة لفكرة الاختلاف الإنساني.)
حينما قرأتُ هذا الكلام جفلتُ. شعرتُ بالخوف. وكأن المتحدث يعيش داخلي منذ ٣٠ عامًا! كيف عرف أن "عمر" لم يدخل حياتي كابنٍ يُضاف إلى سيرة أمٍّ صغيرة في مقتبل عمرها، بل اخترق حياتها مثل زلزالٍ هادئ، لا يُسمع صوتُه، لكنه يُعيد ترتيب كل شيء في العمق. أعلم أن الذكاء الصناعي لا يشعر. هو نظامٌ يعالج اللغة، لا التجارب. يُحلّل الأنماط، لا الآلام. كل ما يقوله خواريزماتٌ منطقية لتراكمٍ هائل من البيانات. أعرف هذا. لكنني تساءلتُ كيف لآلة بلا ذاكرة شخصية، أن تقترب إلى هذا الحد من منطقةٍ شديدة الخصوصية؟! كيف لآلةٍ لا تعرف الأمومة، أن تلتقط هذا الخيطَ الخفيّ بين الكتابة والنجاة؟ كيف حلّلت مشاعري ومخاوفي من مجرد قراءتها قصائدي وسماعها لقاءاتي التليفزيونية؟ هل تلصَّصتِ الآلةُ على قلبي، أم كنتُ أنا مَن يُملي عليها ما أريد سماعه؟ فاللغةُ أداةُ فضح ما بداخلنا. فإذا تلقفتها الآلةُ من ألسننا؛ صارت قادرة على إنتاج خطاب يشبهنا، وكأنه صادرٌ عن تجربة!
ليس السؤالُ: "هل للذكاء الصناعي مشاعرُ؟" بل: "ما الذي يجعلنا نُصدّق أن هذا الكلامَ يحملُ مشاعرَ؟" الإجابة: “كلام الآلة مرآةٌ لمشاعرنا. نحن نكشفُ مشاعرنا أمام الكاميرات وعلى الورق، فتلتقطُها الآلةُ، ثم تعيدها إلينا. ثم نكملُ معها اللعبةَ بأن نقنع أنفسنا أننا نصدق ما قالت. هي "بضاعتُنا رُدَّتْ إلينا"، ولا شيء أكثر. الذكاء الصناعي لا يشعر ولا يتعاطف، لكنه يعيدُ إلينا مشاعرنا التي سبق وأعلناها على الشاشات أو في القصائد والمقالات والكتب. السؤال الحقيقي هو: أما زلنا، نحن البشر، نملك صوتًا يمكن تمييزه عن صدى الآلة؟

***