عبدُ الرحمن أبو زهرة


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 12:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

Facebook: @NaootOfficial
غادرنا، بينما أكفُّنا مرفوعةٌ للسماء تدعو له بالشفاء وطِيْب الحياة. ذاك الفنانُ الذي كان مؤسسةً كاملة من الرقيّ الفني والثقافي والإنساني. غادرنا "عبد الرحمن أبو زهرة" تاركًا فراغًا لا يُشغل، وإرثًا فنّيًّا لا يخبو أثرُه مع الأيام، بل يزداد توهجًا وقيمة. فبعض الفنانين لا يمرّون في حياتنا كمؤدّي أدوار، بل كصُنّاع أثر. وكان "أبو زهرة"، وسيظلُّ، رمزًا مصريًّا وعربيًّا نبيلا، من تلك الرموز التي تُقيم داخل الوجدان الجمعي، ولا تبرحُ موقعها، حتى بعد غياب أصحابها.
"عبد الرحمن أبو زهرة" أحدُ أبناء الجيل الذي تعامل مع الفنِّ باعتباره رسالةَ وعيٍ وتهذيبٍ وتثقيف وجمال، لا باعتباره مهنةً أو طريقًا إلى الأضواء. جيلٌ خرج من عباءة "المسرح القومي"، ذلك الصرح الشاهق الذي وقف على خشبته كبار المعلمين في الأداء واللغة والانضباط. لهذا لم يكن غريبًا أن يحمل الرجلُ، في صوته وحضور ملامحه، كلَّ هذا الوقار الآتي من زمن الفن الرفيع. فما أن يعتلي خشبةَ المسرح، أو يقفَ أمام الكاميرا، أو خلف ميكروفون الإذاعة، تشعرُ أنك أمام فنان يعرف جيدًا قيمة ما يفعل، ويحترم عقلَ الجمهور احترامًا يليقُ به.
كان واحدًا من الفنانين النادرين القادرين على الانتقال المذهل بين الكوميديا والتراجيديا دون افتعال. وتلك مَلَكةٌ عصيةٌ لا تُسلِمُ نفسَها إلا لذوي الفرادة والموهبة والثقافة. يضحكك، ثم ينتزع دمعتَك دون أن تشعر بقفز في الأداء، بل دون أن تشعر بتصارع المشاعر داخلك، وكأن الفرح والحزن مضفوران في جديلة واحدة. تلك القدرة الاستثنائية لا يملكها إلا الكبار الذين يفهمون النفس البشرية ويعرفون كيف يلمسون مناطقَها الحساسة بوعي.
منذ تخرجه في المعهد العالي للفنون المسرحية في خمسينيات القرن الماضي، قدّم الأستاذُ للمكتبة الفنية المصرية والعربية، مئات الأعمال الرفيعة من مسرحيات وأفلام ومسلسلات وسهرات تليفزيونية ودراما إذاعية وأفلام كارتون وأعمال تاريخية ومسلسلات الأطفال ودوبلاجات الروايات العالمية وغيرها من خوالد الأعمال. كوميديان وتراجيديان في آن. استثنائيٌّ في صناعة البسمة واستلاب الدمع. بدأ مشواره الفني من أعلى نقطة في هرم الإبداع المصري: “المسرح القومي" بمسرحية "عودة الشباب" للعظيم "توفيق الحكيم"، ثم أشرق وجهُه على شاشات السينما مثلما أشرق صوتُه من ميكروفونات الإذاعة، ودخل بيوتنا خلال دراما المسلسلات. تلك الأعمالُ الخالدة تصبُّ في ميزاننا نحن، قبل أن تصبَّ في ميزانه. فخوالدُ الأعمال تبقى في رصيد الوطن، بعدما نذهبُ، ويذهبُ صانعوها.
الفنان الحقيقي يُقاس بما يتركه في الوعي الجمعي، وكان لصوت "عبد الرحمن أبو زهرة" تأثيرٌ تربوي وثقافي بالغُ العمق. أجيال كاملة تعلّمت العربية الفصحى من أعماله الإذاعية ومن دوبلاج أفلام الكارتون العالمية. وما قدّمه في شخصية “سكار” في The Lion King سيبقى درسًا فنيًّا في الأداء الصوتي الرفيع. لم يكن يؤدي الكلمات، بل كان يبني شخصية كاملة بالنبرة والإيقاع والتنفس والسكوت بين الجمل. حتى الأطفال الذين لم يعرفوا تاريخه المسرحي والسينمائي، عرفوا أن وراء ذلك الصوت عقلًا فنيًّا استثنائيًّا. لهذا كرّمته "ديزني" بشهادة تقدير لنجاحه الفائق في تعليم الصغار اللغة العربية الفصحى، التي أجاد مزجَها بالفصيحة السيّارة لكي تصل إلى عقل الطفولة الناشئة، ورثته بكلمة مؤثرة فور إعلان خبر رحيله.
عرفتُ الأستاذ عن قرب في مهرجانات وأسفار. وفي الأسفار تُعرفُ الأعماق. إنسانٌ بسيطٌ مثقفٌ ومرح، ينثرُ البهجة في قلوب مَن حوله. غيورٌ على اللغة العربية غيرةَ العاشق المتبول. فهو من طراز المعلمين الذين يمنحون المعرفة بسخاء لأنه ابنُ المدرسة الرائدة، التي تقدِّسُ "الإتقان". وحين بدأت أخبار مرضه تتردد في السنوات الأخيرة، شعر كثيرون بالخوف، كأن جزءًا من ذاكرتهم الشخصية يتهدده الغياب. فبعض الفنانين يتحولون، مع الزمن، إلى أفراد من العائلة الروحية للمجتمع. نكبر معهم، ونحفظ أصواتهم وملامحهم كما نحفظ تفاصيل بيوتنا ومدارسنا. لهذا جاء خبر الرحيل موجعًا، لا لأنه إعلان غياب فنان كبير فحسب، بل لأنه رحيل قطعة كاملة من زمن الرقيّ المصري. لكن عزاءنا أن الكبار لا يغادرون بل يبقون في أعمالهم الخالدة العصيّة على الزوال. يبقون في الضحكات والدموع التي زرعوها داخل أرواحنا. سيبقى "عبد الرحمن أبو زهرة" واحدًا من الشواهد المضيئة على أن الفن يمكن أن يكون أخلاقًا ومعرفةً وجمالًا في آن. وسيبقى اسمه محفورًا في ذاكرة مصر، لا كفنانٍ عظيم وحسب، بل كأستاذ حقيقي من أساتذة البهجة والوعي والإبداع والثقافة. شكرًا لأسرته الكريمة التي أنفذت وصيته بأن يمرَّ نعشُه الكريم من أمام "المسرح القومي"، بيته الحقيقي، وشكرًا لك، لا وداعًا، أيها الأستاذ الجميل، الذي أمتعنا وعلّمنا، وأتعبَ مَن سيأتون بعده، لأنكَ جعلتَ الفنَّ مرادفًا للإتقان والعظمة.

***