علمانيون… حين تموتُ الثقافةُ كمدًا!


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 11:15
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

صمتت "علمانيون" كما تصمتُ الطيورُ في الشوارع الصاخبة. الأكثرُ إيلامًا من أن تُغلق جماعة ثقافية أبوابها، هو أن يكون هذا خبرًا عاديًا لا يثير الدهشة، بينما يُستنفرُ المجتمعُ إذا أُغلق مطعمٌ أو مركزٌ تجاري أو ملعب.
قبل أيام أعلنت حركة "علمانيون" توقفَ نشاطها بسبب ضيق الموارد المالية، بعد سنوات طويلة من الندوات والحوارات واللقاءات الفكرية والثقافية ومناقشة الكتب، ناهزتِ الألف فعالية. وخلف هذا الخبر تختبئ أسئلةٌ ثقيلةُ الظل: لماذا تموت الثقافة في بلادنا كمَدًا؟ لماذا تجد الأفكارُ المتطرفة ألفَ يدٍ تمتد إليها بالتمويل والرعاية والحماية، بينما تعجز الأفكارُ المعتدلة المستنيرة عن العثور على يدٍ واحدة تحمل عنها فاتورة الكهرباء؟ لماذا تنجح جماعات التشدد، في كل زمان ومكان، في بناء شبكات دعم وتمويل ورعاية، بينما تُترك الثقافةُ لجهود أفراد متحمسين يدفعون من أعمارهم وأرزاقهم ثمن إيمانهم بالمعرفة؟ لماذا تتحول المكتباتُ إلى مطاعم، ولم يتحول مطعمٌ واحد إلى مكتبة؟ لماذا يربح بائعُ الوهم، ويخسر بائع المعرفة؟
السؤال هنا ليس سؤال "علمانيون”، وليس سؤال العلمانية أصلًا. بل سؤال "الثقافة". تلك الكلمة الجميلة البرّاقة التي نردّدها في الخطب والاحتفالات الرسمية ونُصدّع بها الميكروفونات، ثم نتركها وحيدةً في العراء تتسوّل الأكسجيَن لتعيش. الشجرة التي نتفيأ ظلَّها جميعًا، ثم نتركها بلا ماء لتحيا. المتطرفون يدركون جيدًا قيمة "نشر" الفكرة، لذلك يستثمرون فيها. أما نحن فنواصل التعامل مع الثقافة بوصفها ترفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الانتهاء من كل شيء، دون أن ندرك أن تأجيل الثقافة هو الطريق الأسرع إلى خسارة الكرامة، بل خسارة كل شيء.
من أكثر مفارقات الحكاية مرارةً وإدهاشًا أن "علمانيون" لم تسقط تحت ضربات خصومها. لم تُغلقها حملاتُ التشهير التي طاردتها سنوات. ولم تنجح السهام الفكرية التي وُجِّهت إليها في إسكات صوتها. ولم تُنهِ وجودَها المعاركُ الفكرية التي خاضتها، ولم تتمكن أمواجُ الحراك الفكري العالية التي أثارتها أفكارُها من إطفاء مشعل أنوارها. بل بقيت صامدة رغم كل ذلك. الذي أغلق أبوابَها في وجه طلاب الفكر لم يكن خصمًا أيديولوجيًا، ولا معركةً فكرية، ولا قرارًا سياسيًا. أسقطتها فاتورة. أسقطها عجزٌ ماليّ. أسقطتها يد العَوَز. خذلها مجتمعٌ لا يعبأ بالثقافة والتنوير. شيء محزن!
هنا تبلغ المأساةُ ذروتها. فالمجتمعات التي تُدرك قيمة العقل تحرص على تمويل منصّات المعرفة، حتى وإن اختلفت معها. أما المجتمعات التي لا تزال تنظر إلى الثقافة بوصفها رفاهية يمكن الاستغناء عنها، تتركها تواجه مصيرها وحيدةً في العراء. لقد عاشت الحركة سنوات طويلة تتلقى الضربات الفكرية وتواصل السير. لكنها لم تستطع أن تنتصر على السؤال الأكثر قسوة: من يدفع الإيجار؟ ما أقسى أن تعجز فكرةٌ عن البقاء، لا لأن أحدًا هزمها بالحجّة، بل لأن أحدًا لم يرَ أن قنديلها جديرٌ بقطرة زيت. ما أقسى أن تعجز فكرةٌ عن البقاء، لا لأن خصومها كانوا أقوى منها، بل لأن محبيها كانوا أفقرَ من أن يحملوها! مفارقة مؤلمة أن المجتمعات التي تنفق بسخاء على الترفيه والاستهلاك والطعام، كثيرًا ما تبخل على الثقافة والفكر والعمل المدني. الجميع يريد أن تبقى المنصةُ قائمة، لكن قليلين مستعدون للمساهمة في تكاليف بقائها. وكأن المعرفة هي الحلقة الأضعف دائمًا! وكأن الكتاب هو أول ما يُضحَّى به عند الضيق! وكأن العقل آخر ما نفكر في إنقاذه حين تغرق السفينة! وكأننا لا نعرف أن الأمم لا تُبنى بالخبز وحده، بل بالعلم والمعرفة والثقافة. فالخبز يملأ المعدة، أما الثقافة فتبني الإنسان الذي يزرع القمح ويشيد المصانع ويبتكر الدواء ويكتب الدستور ويصنع المستقبل.
ويشهدُ التاريخُ أن معارك التنوير الكبرى في تاريخ البشرية لم تكن معارك أفكار وحسب، بل كانت أيضًا معارك تمويل ودعم ومؤسسات. فالفكرةُ التي لا تجد من يحميها، أو من يوفر لها الحد الأدنى من أسباب البقاء، تتحول مع الوقت إلى شمعة نحيلة تقاوم وحدها رياح الإطفاء.
إن خبر إغلاق "علمانيون" ليس خبرًا عن حركة ثقافية توقفت، أو منبر فكري يغلق أبوابه، بعدما ناقش على مدى السنوات الكتبَ وأفكار العدالة وحقوق المواطنة ومحاربة الاستقواء والظلم باسم الدين، وحاول تعليم النشء أن الدين يأمر بالعدل والإحسان لا بالظلم والطغيان، بل هو جرسُ إنذار يدقُّ زعيقَه في آذاننا جميعًا. لأن المجتمع الذي يعجز عن حماية منابره الثقافية، سيجد نفسه عاجلًا أم آجلًا يدفع ثمن هذا الإهمال من عقله وروحه ومستقبله. فالثقافة لا تموت برصاصة. ولا تموت بقرار رجعي. ولا حتى تحتضر تحت نصال الخصوم ومعاول التجهيل الأعمى. الثقافةُ تموت ببطء. تموتُ بضيق التنفس. تموت خنقًا بيد الإهمال، ودهسًا تحت قدم اللامبالاة. وتموتُ دائمًا كمدًا.

***