تصنيفُ البشر: صُنّاعُ فرح - صُنَّاعُ ويل


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 11:53
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

Facebook: @NaootOfficial

منذ سنوات طوال، ربما في مرحلة الجامعة بعدما حصدتُ من الكتب وتحصيل المعارف ما يكفي لشحذ وعيي وتكوين وجهة نظري الخاصة في الحياة، توقفتُ عن تصنيف البشر وفق القوالب الجاهزة التي ورثناها عن ثقافات شتّى: حيث يُوزَن الإنسان بلونه، أو دينه، أو طبقته، أو جنسه، أو لهجته، أو مستواه التعليمي، وأحيانًا باسمه أو مظهره وحتى سنّه! أدركتُ أن تلك التصنيفات تحمل قدرًا من الظلم والاختزال؛ فشرعتُ في اختزال الأمر إلى قسمين بسيطين أكثر تحديدًا وتجريدًا، والأهم: أكثر "عدلا”، من وجه نظري.
البشرُ عندي: طيبون - أشرار. أحبُّ الطيبين وأسمحُ لهم بالدخول إلى عالمي. وأما الأشرارُ، فأحبّهم أيضًا، لأنني درّبتُ نفسي على ألا أكره على الإطلاق، سوى أنني لا أسمحُ لهم بالدخول إلى عالمي الصغير، ولا أدخل عالمهم، بل أنسى وجودهم تمامًا، إلا إذا احتاجَ أحدُهم مساعدةً؛ أؤديها، ثم أنساه مجددًا.
لم أعد أُقيّم الناسَ وفق التصنيفات الكلاسيكية التي أفسدتِ العالمَ وملأته مشاحناتٍ وعنصريةً وبغضاءَ واقتتالاً. خاصمتُ تقييمَ الأشخاص وفق الطبقة الفكرية أو الاجتماعية، ولا وفق مستوى السُّلطة، ولا وفق العُمر، ولا وفق العِرق واللون، والأكيد المؤكد: ولا وفق المعتنق الديني؛ فكل إنسان من حقّه الكامل اختيار معتقده، ما لم يؤذِ غيره باسم ما يؤمن به. العالم عندي أكثر بساطةً وتحديدًا ونقاءً وصفوًا. العالم بكل ما فيه من بلايين بشر فقط طيبون وأشرار. صنّاع فرح، وصنّاع ويل وشقاء. ولا شيء أكثر. وداخل ذلك التصنيف البسيط: يسكنُ العلماءُ والمبتكرون والأطباءُ والمعلمون والمهندسون والفنانون والأدباء خانة "الطيبين"، لأنهم يُثرون العالمَ بعلمهم ويشفون المرضى ويفيدون الناس بمعارفهم ومواهبهم. بينما يتربع المتطرفون والعنصريون والمؤذيون وسليطو اللسان على صهوة خانة الأشرار. أما أولئك الذين لا يُسهمون ولا يؤذون، فيبقون في منطقةٍ رمادية، لا يُرجّحون كفّة الحياة ولا يُثقلونها.

مازلت أذكر كلمةَ قداسة البابا "تواضروس الثاني" في قداس "عيد القيامة" عام ٢٠١٥، بالكاتدرائية المرقسية بالقاهرة، حين تحدث عن: “ثقافة الحياة، وثقافة الموت". قسّم فيها البشرَ إلى صنفين: بشر يجيدون ثقافة الحياة، فيجتهدون لجعل الحياة أجمل وأيسر وأكثر قابلية للعيش والإنماء والتحضّر. يصنعون الخير أينما جالوا. يبذرون بذور المحبة بين الناس. يُجمّلون الكون الذي خلقه اللهُ جميلا، وأوصانا أن نجعله أكثر جمالا طوال رحلة حياتنا فوق الأرض. أولئك بشرٌ صنّاع حياة وفرح. وفي المقابل هناك بشرٌ يهدمون ما يصنعه القسمُ الأول. ينهجون ثقافة الموت. فيجولون يصنعون شرًّا وبغضًا وسخافة وقتلا وتدميرًا وإفناء. ينثرون الحزن في كل بيت، ويزرعون الويل حيثما جالوا. ويبذرون بذور الفرقة والشقاق بين الناس.
وأنا أنصتُ إلى تلك العظة، انفجرت أسئلةٌ في صدري من تلك الأسئلةُ التي تدور في أعماقنا دون أن نقف على إجابات محددة لها. لماذا هناك بشرٌ يكرهون الحياة؟ أيُّ مغنم يعودُ عليهم من تعذيب الناس وقتلهم وإبدال فرحهم نكدًا؟ أيُّ ربحٍ يجنيه من يُبدّد فرح الآخرين؟ ذكّرتني كلمة البابا بمحاضرة الراحل العظيم الدكتور "فرج فودة" التي تناول فيها ما أسماه: “فقه النكد". أولئك الذين يبذلون أعمارهم في أرهاق الناس وتعكير صفوهم بالنكد والبؤس، ولا يكفون أذاهم عن خلق الله.
مَن الذي يكره الجمال وينشد القبح؟! مَن الذي يحارب الحياةَ وينتصرُ للموت؟ من الذي ينتصر للدمامة والفوضى ويكره الأناقة والنظام؟! من الذي يقتل الفرح ويزرع الحَزَن حيث يمكن أن يزرع زهرة؟! لصالح مَن؟! المفارقة: نشهدُ أن أول مَن يحصدون ما زرعوا هم الزارعون. فصانعُ الفرحِ، يحصدُ الفرحَ، وصانعُ الويل لا يحصد إلا الويلَ والشقاء! فكيف يتسلّط إنسانٌ على نفسه ليشقى؟! لهذا لا أرى الأشرارَ أقوياء بل يعانون عطبًا في البصيرة وخللاً في الذكاء الاجتماعي؛ لأنهم ببساطة يشقون بشرّهم قبل أن يصل شرُّهم إلى ضحاياهم. فتكون المحصّلة: شقاء الجميع!
في ديواني الشعري: “صانع الفرح" الصادر عام ٢٠١٢، كتبتُ في الإهداء: "إلى كلِّ الأشرار في العالم: كونوا كالزهور: صنّاع فرح، ولا تكونوا كأشرار الحكايا: سارقي فرح.”
الحياةُ في أصلها رحلةٌ صعبةٌ على الجميع. فلماذا ولصالح مَن نُزيدها صعوبةً وعُسرًا، بدلَ أن نُهوّنها على أنفسنا وعلى الآخرين؟ إن لم تستطع أن تُيسّرَ الحياةَ على غيرك، فعلى الأقل لا تُثقلها عليه وتُزدها عُسرًا فوق عُسر، وشقاءً فوق شقاء. اليومَ في "شم النسيم"، "عيد الحياة"، أقول للناس في كل العالم: احتفلوا بالحياة، كونوا أذكياء طيبين. فالذكاءُ والطيبةُ... صنوان. الطيبةُ والرقيُّ والتسامح، أعلى مراتب الذكاء الاجتماعي، والإيمان كذلك. كونوا من الذين، حين يمرّون، يتركون وراءهم خفّةً في القلوب، لا ظلالًا ثقيلة. فالفرح ليس هِبةً نتلقّاها، بل أثرٌ نصنعه

***