كانت لابسة إيه؟!


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 13:28
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

بكل أسفٍ، لا يزال في فضائنا العام خطابٌ يُحمِّلُ الضحيةَ مسؤولية الجريمة، ويمنحُ المعتدِي صكَّ البراءة. كلما وقعت جريمةُ تحرّش، أو اغتصاب، أو حتى قتلٍ، أطلَّ سؤالٌ سمج من مخبئه، كحشرة ليلية سامّة، لا ترعى إلا في الظلام: "كانت لابسة إيه؟" سؤالٌ مُعلَّبٌ لا يُراد به إلا تبرئة المجرم، وإسكات الضحية. سؤالٌ مجرمٌ يُبدّل موضع الإثم، فينقل مركزَ الجريمة من جبين المعتدِي إلى جسد الُمعتدَى عليها، ومن الفحشاء إلى مساحات القماش. هذا السؤالُ ليس غبيًّا فحسب، بل لا أخلاقي، يضعُ سائلَه في خانة واحدة مع المجرم، و يشي بأن سائله متحرشٌ سابق. لأنه يفترض، ضِمنًا، أن جسدَ المرأة مشروعٌ مشروطٌ ومُستباح، وأن كرامتها رهنُ الهوى والمزاج. سؤالٌ لا أخلاقي؛ لأنه لا يُدين الجريمة، بل يُفتّش في خزانة الملابس. وسؤالٌ غبي؛ لأنه يضع سائله في مأزق سؤال آخر: “وماذا عن التحرش بالطفلات، والمحجبات، والمنتقبات، والراهبات، والأطفال الذكور؟" لكن أحد مروّجي هذا السؤال وجد "ترقيعةً" مضحكة، في محاولة يائسة بائسة لشرعنة سؤاله. فقال: “ما هو الذكر لما بيشوف بنت مش محجبة، ذكورته تُستفز، يقوم متحرش بالأطفال أو المحجبات!” هل هناك هُراءٌ أعوجُ من مثل هكذا منطق، وأشدُّ شذوذًا؟! بل أعلن مريضٌ آخر على الشاشات أن: "التحرش بمَن ترتدي بنطالا واجب وطني، واغتصابها واجب قومي!” وهكذا تتوالى الضحايا من المُتحرَّش بهنّ؛ بسبب ثقافة التساهل مع مثل تلك الأقوال المريضة والأسئلة اللاأخلاقية. فلومُ الضحية ليس رأيًا، بل تواطؤٌ صامت، وإعادة إنتاجٍ مستمرة للعنف والاستباحة، وتهديدٌ دائم للكرامة الإنسانية. بل هو جوهر الكسل الأخلاقي: أن نوبّخَ فستانًا أسهلُ من أن نُهذّب شهوة، وأن نُخجل امرأةً أيسرُ من أن نُربّي ضميرًا.
التحرّش، ليس وحسب خطأ أخلاقيًّا، بل سقوطٌ إنساني مروّع. لأنه يبروزُ اللحظة التي يتوقّف فيها شخصٌ عن رؤية الآخر كإنسان، ويُحوّله إلى "شيء" يُعبَثُ به. وحين يتحوّل الإنسانُ إلى شيء، لا تعود هناك حدودٌ، ولا يعود هناك ضمير. المتحرشُ، لحظة التحرش، لا يرى إنسانًا ذا كرامة، بل يرى مساحةً مُستباحة، تسمح له بالاقتحام. تلك الجرأة المرضية لا تصنعها الملابس، بل تصنعها تربيةٌ فاشلة، وثقافةٌ تشمت في الضحايا، ومجتمعٌ يُغمضُ عينيه عن الفواجع، مادامت لم تمسّنا بعد. فمَن تعلّم في بيته أن الجسدَ آيةٌ مقدسة، لن يمدّ يده. ومَن تعوّد أن يرى الإنسان غنيمة، لن يوقفه دثارٌ ولا عُري. حين نتوقف عن سؤال المرأة: "كنتِ لابسة إيه؟" ونبدأ بسؤال الُمعتدي: "كيف تجرأتَ على مدّ يدك؟" حينها فقط نكون قد خرجنا من العتمة. أما قبل ذلك، فنحن لا نُحارب التحرش، بل نُعيد طلاء الجريمة بلونٍ اجتماعي مدعوم بالذكورية المتهافتة.
الجسدُ قبّةُ الروح ومسكنُ كرامتها. غلافٌ رقيقٌ لسرٍّ عظيم من أسرار الله العليا، ومِشكاةٌ تحتضنُ نفحةً من نوره. لا يملك أحدٌ حقَّ اقتحامه. فكيف يسمحُ إنسانٌ لنفسه أن يتجرأ ويجعل منه قنصًا سهلاً بمنطق القوة والتبرير الذكوري؟! التحرش، ليس فعلًا طائشًا ولا خرقًا عابرًا للأعراف، بل سقوطٌ إنسانيّ كامل. هو لحظةُ عمى، ينفصل فيها الإنسان عن نوره الداخلي، ويستسلم لظلمة الأنا. المتحرش ليس شريرًا وحسب، بل فاقدُ بصيرة؛ ضلَّ طريق الجمال، فتوهم أن القبح انتصار.
لكنَّ الفجيعةَ الكبرى لا تكمنُ فقط في يدٍ تمتدُّ بالإثم لتدنّس جسد امرأة، بل في عقلٍ جمعي يتركُ الجاني ليحاكمَ "الثوب”. وتلك طعنةٌ ثانيةٌ في قلبِ الضحية، ونكوصٌ عن الفطرةِ الإنسانيةِ السوية. إنَّ من يبررُ الجريمةَ برداءِ الضحية، إنما يعلنُ عن "حيوانيةٍ" متأصلة، رغم أن لممالك الحيوان قوانينَ أخلاقية. ذلك التبرير يجردُ الإنسانَ من ميزةِ "العقل" التي منحه إياها الخالق. فكيف لرجل يؤمن بالآية الكريمة: “الرجالُ قوّامون على النساء"، وهو لا يملك "القوامةَ" على فوضوية شهواته؟! الجمالُ ليس دعوةً للاستباحة، والحريةُ في المظهرِ ليست تفويضًا بالعدوان وسحق الكرامة. ومَن يرى في القماشِ مُحرضًا على البغي، فإنَّ العطبَ يكمن في عينه وروحه وعقله، لا في خيوطِ القماش. فالعُريُّ الحقيقي ليس في الجسد، بل في العين التي تنظر إليه بنيّة الافتراس.
حين تعجزُ الروحُ عن إدراكِ قدسيةِ الآخر، وتتمادى الأنا في غيها مستندةً إلى تبريراتٍ عُرفية، يصبحُ "القانونُ" هو الملاذَ الأخير والدرعَ الواقي. التشريعُ الصارمُ ضد التحرش، ولو بالقول، ليس مجردَ عقابٍ زجري، بل هو صرخةُ حقٍّ لإحراق الغابةِ التي يحاولُ البعضُ تخليقَها في قلبِ المدينة. القانونُ هو "ميزانُ العدل" الذي لا يزنُ الثياب، و"المطرقة" التي تضرب على يد المجرم والمحرض في آن واحد. نحنُ بحاجةٍ إلى نشر الوعي بثقافة الترفّع عن دنسِ الاغتصابِ بالنظرِ أو بالكلمة، والإيمان بأنَّ كرامة الآخر هي جوهرُ كرامتنا.