سعفةٌ ذهبية… لقلبِ مصرَ الأخضر


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 12:37
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     


في مثل هذه الأيام التي تتأمرُ فيها الشمسُ مع الربيع لتشرقَ القلوبُ بذكريات الطفولة، يعودُ السَّعفُ ليتجوّل في شوارعنا كأنّه رسولٌ قديم يحمل رسالةً واحدة لا تتبدّل: أن الفرحَ البسيط هو أصدقُ أشكال الإيمان، وأن ما نجمعه بأصابعنا الصغيرة من عيدانٍ خضراءَ بوسعه أن يعيد ترتيب العالم حول معنى واحد اسمه "نحن".
مرَّ بالأمس "أحدُ السعف"، أو "عيد الزعف" كما كنا ننطقه ونحن أطفال. في هذه الأيام الربيعية، كنتُ وأطفالُ شارعنا وزملاءُ مدرستي نجمعُ عيدانَ السَّعف الخضراء، ونتبارى في جدلها لنصنع مشغولاتٍ جميلةً نُعلّقُها في غرفنا أو ندسُّها تحت بلورة مكاتبنا. ثم نظلُّ نراقبُها يومًا بعد يوم وهي تجفُّ؛ فيتحوّلُ أخضرُها إلى صفار الذهب المشعّ؛ وكأنها مرويةٌ بماء الشمس. كنتُ أجدلُ شرائحَ السعف تاجًا لأمي، وخاتمًا لأبي، وأساورَ وحملانًا وخيولا لأصدقائي. وتعلّق الأمهات باقات من سنابل القمح على أبواب الشقق، تتحوّل بعد أيام إلى شعلة من الذهب السحري، تجلبُ الخيرَ وتردُّ عيون الحاسدين، كما كان يؤمن أجدادنا المصريون القدامى.
لم يكن السعفُ يومًا مجرّد نباتٍ يُجدل. بل كان اختبارًا للقلوب. مَن بوسعه أن يصنع من الجفاف رِيًّا، ومن نتاج النخيل سِحرًا، ومن الهشاشة قوة؟ مَن يقدر أن يرى في ورقةٍ خضراء وعدًا بالذهب؟ نحن المصريين نعرف كيف نفعلُ كلّ هذا. نجحت طفولتُنا في هذا الاختبار.نمسك الغصنَ، نضحك، نخطئ في الجدْل، ونُعيد المحاولة، حتى تخرج من بين أصابعنا مشغولاتٌ لا مثيل لجمالها. لم نسأل يومًا: لمن هذا العيد أو ذاك؟ بل كان سؤالنا: كيف نجعلُ الأيامَ أجمل؟ كيف نفرح ونُجبرُ الكونَ أن يفرح لفرحنا فيصيرُ أبهى.
تلك هي مصرُ التي لا تُكتب في الدساتير، بل تُحفظ في ذاكرة التاريخ الحيّة. مصر التي يمرُّ فيها جريدُ النخيل من يدٍ مسلمة إلى يدٍ مسيحية، والعكس، دون أن يفقد خضرته، بل يزداد لمعانًا وأناقة. مصرُ التي تعرف، بالفطرة، أن الله لا يُحبّ القلوب المنقبضة، وأن الطريق إليه مفروشٌ بالحب، والبراءة، والقلوب النقية.
واليوم، صرنا أكبرَ سنًّا، وأغزرَ تجاربَ، وأثقل أسئلةً. لكن السعفَ لا يخلف موعده السنويّ معنا. يعود إلينا كل عام ليضعنا أمام سؤال: هل مازلنا نعرف كيف نجدل الأغصان؟ هل مازالت قلوبُنا خضراءَ ريّانةً تسقي صحارى الكون بالحب فيخضوضر اليابسُ؟ أمازلنا قادرين على أن نُمسك بخيطٍ من نورٍ ونربط به ما تمزّق من أواصر محبتنا؟ أن نحمي أخضرنا الداخلي من الاصفرار والذبول؟
ربما لا نحتاج هذا العام إلى أن نعلّق السعف على الجدران وسنابل القمح على الأبواب، بقدر ما نحتاج أن نزرعها داخلنا. أن نتركها تنمو في المساحات الجدبة التي أفسدها الضجيجُ. أن نُعيد تعلّم تلك الحرفة القديمة: ليس حرفة جدل السعف، بل حرفة أن نكون معًا دون شروط، وأن نفرح معًا دون حساب. نحن المصريين نعرفُ كيف نحبُّ. ولا نسمحُ لأحد بأن ينتزعَ المحبةَ من قلوبنا ليزرع مكانها بذرة البغضاء والشقاق والطائفية. لأننا تعلمنا أن غياب الحبّ أصلُ كلّ شرور العالم. الحبُّ نعمةٌ هائلة لا يدرك قدرَها إلا ذوو القلوب النظيفة الخافقة. أما ذوو البلادة القلبية فليس لهم إلا الشفقة والدعاء لهم بأن يتعلّموا كيف أحبّنا الله، ولم يطلب منّا سوى أن نحبه ونحب خلقَه فنُعمّر الكون بالرغد والسلام. أنت تحب، إذن أنت إنسانٌ سويّ.
عيدانُ السعف الخضراء مازالت مع الباعة، تنتظر أن يجدلها الجادلون. السعفُ في شوارع مصر لا يُباع، بل يَختار. يختارُ القلوبَ التي لم تنسَ بعد كيف تتحوّل إلى أطفال. عزيزي القارئ الجميل، ابتسم في وجه الصبايا يعتمرن على رؤوسهن التيجان المجدولة من السعف، ويضعن الخواتمَ والأساورَ وزهراتِ اللوتس، ثم لوّح لهنّ من سيارتك مبتسمًا وأنت تقول: "كل سنة وأنتنّ بخير وفرح، كل عام ومصرُ جميلة بأبنائها وبناتها.” اركن السيارة جانبًا وانزل لتشتري بعض عيدان السعف لأطفالك حتى يجدلوها، ثم يهدونها إلى أصحابهم المسيحيين، كما كنا نفعل في طفولتنا. إن كنت قد فعلت هذا بالأمس في "أحد الشعانين"، فأنت إنسان نقيٌّ نظيفُ القلب طيب الروح.
هذا أسبوع الآلام، والأحد القادم بإذن الله سوف يحتفلُ أشقاؤنا مسيحيو مصرَ بعيد القيامة المجيد، كل سنة وأقباطُ مصر مسلمين ومسيحيين بخير وفرح وأمان ومحبة، ومصر في حرية وتحضّر. كلّ عام ونحن نجدل معًا أغصان السلام والمحبة ونبني مصر الجديدة. فالدينُ كلُّه لله، والوطنُ لَمن يسقي بالحبّ أرضَ الوطن، ويجدلُ من السَّعف تاجًا لمجد الوطن. قوتُنا الحقيقية في وحدتنا وعدم السماح لأحد بشق الصفّ. فرحُنا واحد، وحزنُنا واحد، ومصيرُنا واحد؛ لأن وطنَنا واحد.
***