فاجعةُ كرموز… الانتحارُ الممتد


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 12:42
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

Facebook: @NaootOfficial
في تلك الشقة الصغيرة في حي "كرموز" بالأسكندرية، لم تقع جريمةٌ بالمعنى التقليدي لكتالوج جرائم القتل الجماعي، بل كان نَصًّّا مظلمًا كُتب على مهل، داخل رأس أمٍّ أنهكها العجزُ والفقرُ والمرضُ، حتى أقنعت نفسَها، ثم أقنعت أبناءها، بأن الخلاص لا يكون بالحياة، بل بالخروج منها، معًا، يدًا بيد وروحًا بروح. شابٌّ عشريني يقتلُ أشقاءه الخمسة، بمساعدة الأم، ثم يقتل أمَّه، ثم يحاول الانتحارَ، لكنه ينجو. وفق روايته، كان ينفذ مطلبَ أمّه بأن هذه الأسرة يجب أن تفنى بكاملها، هربًا من غدٍ مظلم لا تقوى على العيش فيه.
نحن إذن لسنا أمام قاتلٍ واحد، ولا حتى أمام قاتليْن اثنين، بإضافة الأم؛ بل أمام فكرةٍ "النجاة بالفناء" التي قادت الجميعَ إلى حتوفهم. هذا ما يُسمّيه علمُ النفس: "الانتحار الممتد" Extended Suicide ؛ حين يذوبُ الفردُ أسرته، حدَّ ألا يرى لنفسه وجودًا منفصلًا عنها، ولا وجودًا لأسرته دونه. فإذا انهار وقرر الموت، رأى من حقّه أن يأخذها معه إلى الفناء. المسألة ليست شراسةً خالصة، بل تشوّهًا في تعريف: "الرحمة”. هنا تتحول الحمايةُ إلى إلغاء، ويُعاد تعريف الحب باعتباره نجاةً عبر الموت. تذكرنا تلك الفاجعة بقضية "أندريا ييتس"، الأم الأمريكية التي أغرقت أبناءها الخمسة، معتقدة، تحت وطأة اضطرابٍ نفسي حاد، أنها تنقذهم من مصيرٍ مظلم. لم ترَ نفسَها قاتلة، بل أُمًّا تؤدي واجبًا أخيرًا نحو أطفالها.
بطلُ فاجعة كرموز حطم ثلاثة مقدسات، من جسد "المحرَّم الإنساني”. أولها: قتل الأم: وهي المنطقة المقدّسة التي لا تُمسّ. وثانيها: قتل الأشقاء، وهم الامتداد الأفقي للنفس، وثالثها: قتل النفس ومحو الذات، وكأن الفاعل لا يكتفي بإلغاء الآخرين، بل يسعى إلى إلغاء الشاهد الأخير، نفسه. ثلاثةُ محرماتٍ انهارت دفعةً واحدة: الأمومة، والأخوّة، وغريزة البقاء. وهنا لا نكون أمام جريمة، بل أمام انهيار نظام "الوجود”.
الأمُّ، كما تكشّف، امرأةٌ ضاقت بها الحياة حتى آخرها، بسبب: السرطان الذي ضربها، ثم زوجٌ غائب قرر التخلّي عنها وعن أولاده والزواج من أخرى، ثم أعباء أطفال ستة دون عائل، كل هذا أنتج أفقًا مسدودًا أفضى إلى تلك الفجيعة. في هذا المناخ، لا ينكسر القلبُ فقط، بل يختلّ الميزانُ الداخلي الذي يفرّق بين الممكن والمستحيل. حيث يصبح المستحيلُ: وهو قتل الوليد، فكرةً قابلةً للطرح، ثم للتداول، ثم للتصديق، ثم للتنفيذ.
الرعبُ الحقيقي ليس في استحالة الفكرة وحسب، بل في تسلّلها، من قلب الأم إلى قلب الابن الأكبر. هنا ندخل منطقة "العدوى العاطفية"، حيث تنتقل المشاعر بصحبة الرؤية العدمية للعالم. جلس "ريان" إلى أمّه، لا ليتعلّم منها درسَ الحياة، بل درسَ الفناء والإفناء. في مثل تلك الحالات، لا يكون الرفضُ خيارًا سهلًا، بل يبدو، داخل تلك الفقاعة المغلقة من اليأس، كأنه خيانة. خيانة أمّه التي ترتعب من ترك أطفالها دون سند بعد موتها الوشيك بالسرطان، فتقرر إفناءهم. وهكذا يتحول الابنُ من قتيل إلى قاتل. هل "ريان" قاتلٌ؟ نعم. هل كان وحده؟ لا. هل هو ضحيةٌ كضحاياه: الأم والأشقاء؟ نعم. هل الأبُ الذي ينتمي لدولة أخرى ولم يشهد الفاجعة، بريء؟ لا، بل شريك في المأساة، والمحرك الأساسي لخيوطها، رغم أن يده لم تُلوّث بالدماء.
كان "ريان" ابنًا داخل نظامٍ مُشوّه، صدّق أنه يُنقذ أشقاءه من حياةٍ لا تُحتمل. وحين انتهى كلُّ شيء، حاول أن يلحق بهم، لكنه أخفق. كأن الحياة، التي صدر بحقها حكمٌ بالإعدام داخل تلك الشقة، تمسّكت بشاهدٍ واحد يروي. في الجرائم التقليدية، نبحث عن دافع: انتقام، مال، غيرة. أما هنا، فالدافع فكرة: "اللا جدوى”. وهذه أخطر الدوافع جميعًا. لأنها لا تُرى، إلا بعد أن تتحول إلى دماء. لكن المجتمع يميل إلى التفسيرات السريعة الجاهزة. نُسمّي الفاعلَ "وحشًا"، فنُغلقُ البابَ ونمضي. لكن هذا الوصف، على صحّته، سوف يُعفينا من الفهم. والفهم هنا ليس ترفًا، بل ضرورة حتمية. لأن ما حدث في "كرموز" ليس صاعقةً فجائية، بل ذروةُ مسارٍ طويل من التآكل: المرضي، الاقتصادي، النفسي، والعائلي.
بيتٌ كامل يمكن أن ينهار، لا لأن أحدهم قرر فجأة أن يقتل، بل لأن هناك من قرر أن يتخلّى ويهجر بيته وأطفاله وزوجته يواجهون الغد المظلم وحيدين. هنا تتكون كرة من الثلج وتتضخم صارخةً: "لم يعد هناك ما يستحق البقاء”. تفقد الأمُّ إيمانها بالحياة، وتتآكل غريزة الأمومة التي تحمي الأطفال ولو بالتضحية بالنفس. ثم تُعيد تعريف العالم لأبنائها وفق منظورها العدمي؛ فيصبح الموتُ اقتراحًا قابلًا للنقاش، باعتباره الرحمة التي يعقبها اللقاء في الجنّة، التي لا هموم فيها ولا مرض ولا فقر، والأهم: لا تَخَلٍّ.

***