عيد ميلاد -عمر-


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 11:25
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     


الخميس الماضي، الذي وافق تاريخًا فريدًا (٢٦٢٢٦)، لا يتكرر إلا مرةً واحدة كل مائة عام، كان عيد ميلاد "عمر"، قلبي الذي ينبضُ خارج جسدي، والذي يُحلِّقُ حرًّا في "طيف التوحّد"، كنموذج بشري شديد التفرّد، أتعلّم منه كل يوم درسًا جديدًا. مع كل شمعةٍ جديدة يطفئها "عمر" في كعكته، لا يكبر عامًا، بل يضيف طبقةً جديدة من وجوده المميز. يكبُر على طريقته: لا بزيادة السنوات، بل بتراكم القدرة على رسم العالم بطريقة مختلفة، وعلى "الصمت" بوصفه لغة مكتملة لا نقصان فيها. تعلّمتُ من "عمر" أن النموَّ ليس صعودًا مستقيمًا، بل التفافٌ ذكيٌّ حول العوائق، وأن الأمومة ليست حماية من الألم، بل مرافقة له، يدًا بيد، دون استعجال للخروج من الشرنقة. يظنُّ الرفاق أنني أقوده، لكن الحقيقة أنني أتعلم المشي على إيقاعه المبدع. فالطريق حين يُقاس بخطوات المتوحدين، يغدو أكثر إنسانية وإشراقًا وموسيقى.
في عيد ميلاد "عمر"، لا أتمنى له أن يكون “أفضل” أو “أقرب إلى الطبيعي”. لأن الطبيعي عنده معيارٌ آخر، مختلف، وهادئ. أريده كما هو: حرًّا، كاملًا في اختلافه، ممتلئًا بالدهشة، بالصمت، بالضحك المفاجئ، بالانسحاب للشرنقة حين يفيض العالم عن طاقته. أريده أن يعرف فرادة طبيعته الخاصة، وأن يحتفظ بعالمه، دون أن يسقط في مطبات الحكم أو المقارنة. أريده أن يظل قادرًا على إدهاشنا بعزفه على البيانو، بلوحاته التي تبدعها ريشتُه، بقدرته الفائقة على حلّ أعقد المشاكل، بصمت وهدوء. هذا التاريخ الفريد ٢٦٢٢٦ ليس رقمًا على التقويم، بل شهادةٌ على أن الحياة لا تُقاس بسرعة "مَن يسبق"، بل بصدق "مَن يواصل”. توثيقٌ صادق على أن بعض الأبناء لا يأتون ليكملوا صورتنا الأنيقة، بل ليكسروا المرآة، ويعلّمونا كيف نرى الصورة بلا انعكاسٍ مزيف، بعيون لا تعترف بالنمطية والتكرار.
في سنّ الثالثة، انسحب "عمر" فجأةً نحو الداخل، وأحكم خيوط شرنقته التي قبع فيها ٢٥ عامًا. ثم قرّر فجأة أن يكسرها ليخرج إلينا قبل أربع سنوات. لهذا فنحن نحتفل بالرحلة الصعبة، لا بالوصول. الاحتفال بعيد ميلاد المتوحّد، لا يحتاج لضجيج أو حفلات صاخبة قد تزعجه، بل هو احتفال بالانتصارات الصغيرة؛ كلمة جديدة تدخل معجمه، نظرة عين دافئة، لمسة يدي وسط الزحام ليطمئن أنني إلى جواره. نحتفلُ بالمساحات التي يحتلها في الحياة مهما كانت صغيرة وغير مرئية. نحتفل بأبنائنا المتوحدين لأنهم علمونا أن الحب ليس كلمة، بل فعل يومي، صبر مستمر، تحمّل لنوبات الانهيار والعنف، شغفٌ برجاء لا ينقطع، واحتواء بلا شروط. هو احتفاء بعالم نقيّ، لا أقنعة فيه ولا زيف. يوم لتقدير "الاختلاف"، واحتفالٌ بالمسافة التي قطعتها الإنسانيةُ في قلوبنا. يوم للإصغاء للأصوات التي لا تُسمع، واللمسات الرهيفة التي تكتب الحياة على الجسد والروح والذاكرة.
"التوحّد" ليس مرضًا ينتظرُ الشفاء، ولا لغزًا كيميائيًا نبحث له عن هرمون مفقود. بل هو أسلوب مختلف لالتقاط ومضات العالم، أشبه بجهاز استقبال مضبوط على تردّد أعلى مما يحتمله الضجيج البشري المعتاد. وحين نعجز عن فهم هذا الاختلاف، نسارع إلى تسميته "اضطرابًا"، لا لأنه معطوب، بل لأننا لم نُعدّل إعداداتِنا على موجته. الخطاب السائد عن التوحّد مشغول دائمًا بما ينقص صاحبه: نقص تواصل، نقص مرونة، نقص تعبير. لكنه نادرًا ما يتأمل ما يفيض به: حساسية عالية، فنٌّ رفيع، صدق فجّ، ذاكرة جسدية ومكانية حادة، وقدرة استثنائية على التركيز حين يُمنح الأمان. هذي الحقائق يتجاهلها عالمٌ لا يحتمل الإيقاع المختلف. "التوحّد" لا يحتاج إلى شفقة، ولا إلى تطبيع قسري، بل يحتاج إلى عدالة مجتمعية: أن يُسمَح للإنسان أن يكون كما هو، دون أن يُطلَب منه الاعتذار عن طريقته في الوجود. حين نكفّ عن سؤال: "كيف نُغيّره؟" ونبدأ بسؤال: "كيف نخفِّف قسوة العالم عليه؟" نكون قد اقتربنا لأول مرة من المعنى الحقيقي للدعم.
إنَّ صمتَ "عمر" وأقرانه ليس عجزًا، بل هو لغةٌ علوية مطوية تنتظرُ مَن يفهم شفراتها. وقلقنا عليهم بعد رحيلنا، نحن أمهاتهم، ليس تسليمًا بضعفهم، بل أمانةٌ نضعها في عنقِ هذا الوطن العزيز. إنَّ عصفور التوحد الذي يخشى السقوط على أرضٍ صلبة، يحتاجُ إلى مظلةٍ تضمنُ له استمرارَ التحليق بعدما يغيبُ جناحُ أمه. لذا، فإنني أغلق باب هذا المقال، لأفتح بابًا للرجاء أمام القيادة السياسية والمؤسسات المعنية؛ لتكون مصرُ هي الأبَ والأمَّ لكل عصفورٍ توحديٍّ يخشى وحشةَ الطريق، حين تغيبُ الأمهاتُ في رقدة السلام. فحين نزرعُ المؤسسات، نضمنُ أنَّ الرحيلَ لن يكونَ فقدًا، بل سيكونُ تسليمًا ليدٍ أمينةٍ لا تخونُ العهد. كل سنة وأنت مشرقٌ وجميل يا "عمر"، تملأ حياتنا عزفًا وألوانًا، وكلماتٍ قليلةً هي أثرى من معلّقات الشعراء.
***