-طبلة الستّ-… حلويات مصر… صانعاتُ الفرح


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 12:07
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

Facebook: @NaootOfficial

في البدء كان الإيقاع، ثم جاءت الحياة. قبل أن تتعلم البشريةُ الكتابة، ضرب الإنسانُ بكفّه على الجلد المشدود ليقول شيئًا. فالإيقاعُ أقدمُ من الكلام، وأصدق. دقّاتُ القلب ليست سوى طبلة صغيرة تسكنُ الجسد، تذكّرنا كل ثانية أننا أحياء.
الجدُّ المصري فهم مبكرًا سرَّ الإيقاع، فحوّل حياتَه كلَّها إلى أغنية. لم يكن الغناءُ عنده ترفًا، بل طريقة لفهم العالم واحتماله والاحتفال به. غنّى للغرس والحصاد، للبناء، للعجين والخبيز، للحبّ والهجر، ليوم الحِنّة والشوار والزفاف والصباحية، للميلاد والسبوع والطهور، وحتى للفقد وانتظار الغائبين. هذا أحد وجوه عبقرية مصر. لم يترك المصريُّ مناسبةً إلا وغنّى لها. وهكذا وُلد الفولكلور المصري الخالد الذي أنتجه عقلٌ أدرك أن الحياة لا تُعاش دون غناء.
من رَحِم هذا الجمال، ولدت فرقة "طبلة الست"، عام 2019. أسستها صبيةٌ جميلة اسمها "سها محمد علي"، ليسانس لغة ألمانية، لإيمانها بأن تراثنا العظيم يستحق أن يحيا لئلا يندثر، كما يندثرُ كلُّ جميل تحت عجلات الزمن. بحثت عن مجموعة من الصبايا المثقفات الموهوبات آمنَّ برسالتها، وأسسن هذه الفرقة المدهشة، ليصنعن هذا السحرَ الذي يعرفه مَن أسعده الحظُّ بحضور إحدى حفلاتهن. إذ تشعر أنك أمام خفق مدهش من روح مصر القديمة، يعود إلى الحياة.
مجموعة من عازفات الطبول والدفوف والرقوق، يعزفن ويغنين وينثرن السعادة والمرح. وفي الخلفية ثلاثة رجال يعزفون المزمار، والكَوَلة والأوكورديون. وحين أُطلقُ عليهن "صانعات الفرح"، لا أقصد البهجة السطحية العابرة، بل ذاك الفرْح العميق الذي يأتي من ضوء البيوت القديمة حين يتسلّل عبر الظلال، ورائحة الخبيز المختمر، وطقوس الأفراح في القرى، وزغاريد النساء في ليالي العرس، وقطارات الصعيد تحمل الغائبين، وأغاني الحصاد، وألوان الشيلان المطرزة، وصواني الكحك في الأعياد. أولئك الصبايا هنّ "حلويات مصر" اللواتي يؤكدن أن "اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني". ففيهن طعمُ الحلوى المضفورة بالهوية المصرية. ولم تكتف الفرقة بإحياء التراث القديم، بل ابتكرن؛ تأليفًا وموسقةً، أغنيةً ترصدُ الشهور القبطية: توت، هاتور، أمشير، طوبة، برمهات، كيهاك، الخ.
دخلت "سها" التراثَ باعتباره بيتًا قديمًا ساحرًا يجب إنقاذه من الانهيار. فهي ليست فقط قائدةَ فرقة موسيقية، بل عاشقة للفولكلور المصري، بحثت ودرست وتعلّمت وجابت المحافظات لتُنصت إلى النساء المنزويات عن الضوء، وجمعت الأغنيات المهددة بالذوبان في زحام العصر. لم تسمح أن تقع فرقتُها في فخ تحويل التراث إلى مومياء في متحف. على العكس، كل شيء في الفرقة حيٌّ يتنفس: الفساتين المبهجة التي تضفر الأصالة بالحداثة، النظرات والإشارات والابتسامات ولغة العيون بين العازفات أثناء العزف والغناء، التمايل الأنثوي الرقيق وتماوج الأكتاف مع الإيقاع، جمالهن الطبيعي دون مساحيق، شعرهن الذي يرقصُ على النغم، ذلك الصدق الذي لا يمكن اصطناعه، كل هذا يؤكد إيمانَهن بما يقدمن للذوّاقة والفن المصري من قطع الجمال النادر.
في عروض “طبلة الست” يحدث شيء أشبه بالسحر يخترق القلوب دون استئذان. المايسترا "سها" تقود الفرقةَ وهي جالسة إلى جوارهن، لا أمامهن كعادة المايسترو! حركة صغيرة بالرأس تكفي كي تتوحد الدفوف، وينتظم الإيقاع دون عِوَج ولا خلل، وكأن الإيقاعَ كائنٌ حيٌّ واحدٌ يتنفس عبر أجساد الصبايا. هذا الهارموني العجيب لا يُدرَّس في المعاهد الموسيقية؛ بل يولد من الحب والشغف والإيمان الجمعي بما يفعلن. ولهذا لا يكتفي الجمهورُ في حفلاتهن بالمشاهدة والإنصات، بل يشارك في الغناء ودبك الإيقاع بالتصفيق والزغاريد والرقص، وكأن الفرقة تعيد تذكير المصريين بشيء قديم ودافئ نسوه عن أنفسهم: الشغف بالفن، والاحتفاء بالحياة. ومن أجمل فقرات الحفلات، مسابقة الزغرودة، وتوزيع علم مصر على الجمهور، لندرك أن القادم أغنية وطنية. وحين يعلو تصفيق الجمهور، تردُّ "سها" بكلمة واحدة مموسقة برقّتها: “شكرًا"!
“طبلة الست” لا تستعيد التراثَ من زاوية الحنين، بل من زاوية قوة الأنوثة. فالمرأة ليست مطربة رومانسية تُكمل المشهد، بل هي صانعة "الإيقاع"، الذي هو سرُّ الحياة. وهذا انقلابٌ خطير في الثقافة الشعبية. الطبلُ الذي ارتبط طويلًا بالرجل يعود إلى يد المرأة، لأنها واهبةُ الميلاد. أولئك الصبايا دخلن التراث من بابه القديم، وجلسن بثقة صاحبات البيت. لهذا استلهمن شعارهن من جدارية "العازفات" في مقبرة "نب آمون" بطيبة الغربية، المحفوظة حاليا في المتحف البريطاني، حيث النساء يحملن الموسيقى كطقس روحي واجتماعي وعَقَدي. وكأن “طبلة الست” تخبرنا أن الإيقاعَ الذي كانت تدقه الجدّات على دفوف المعابد والحقول لم يمت، بل ظل ينتظر مَن يوقظه. صبايا “طبلة الست” مقاومةٌ ناعمة ضد النسيان، يقدمن الفولكلور لا بوصفه “ماضيًا”، بل بوصفه حياة عصية على الموات. لهذا عشقناهن، لأنهن يذكرننا بأن حضارة مصر لم تُبنَ بالحجارة، بل بالفنون الآسرة.
***