الرهان الخاسر للبرجوازية الخليجية، يدفع العمال فاتورته!


توما حميد
الحوار المتمدن - العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 15:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

لطالما سعت دول الخليج العربية، لعقود، إلى نسج صورة ذهنية عن نفسها كدول "محايدة" ومراكز عالمية جاذبة للتجارة والاستثمار والسياحة والخدمات اللوجستية. لكن هذا المشهد الطنان لم يولد من فراغ؛ بل كان نتاج "عقد تاريخي" غير مكتوب، أبرم في أعقاب الحرب العالمية الثانية بين عائلات قبلية مهيمنة من جهة، والقوى الاستعمارية البريطانية ثم الأميركية من جهة أخرى. بموجب هذا العقد، تم تقسيم المنطقة إلى دويلات صغيرة، تتحكم كل منها بحقول نفطية عملاقة، وأوكل الحكم فيها لعائلة أو قبيلة نافذة. كان الاتفاق واضحاً: تمنح الشركات الأميركية والبريطانية حق استخراج النفط، مقابل حصول العائلات الحاكمة على حصة وافرة من العائدات، وتوفير الحماية العسكرية لها، كل ذلك مقابل ضمان تدفق النفط إلى الغرب بأسعار "معقولة".
تعززت أهمية هذا العقد بشكل كبير بعد انهيار نظام بريتون وودز في أوائل السبعينيات، وفك ارتباط الدولار بالذهب. لقد حرصت واشنطن على الحفاظ على مكانة عملتها العالمية من خلال إقناع دول الخليج بتسعير نفطها – السلعة الأهم في العالم – بالدولار، وإعادة استثمار فوائضها المالية الضخمة في السوق الأميركية (أسهم، سندات، عقارات). وهكذا، تحولت ريوع النفط إلى دورة رأسمالية مغلقة تغذي الهيمنة الأميركية والبرجوازيات المحلية على حد سواء.
في المقابل، فإن "الحماية" التي تمتعت بها هذه الأنظمة، والثروات الهائلة التي جمعتها، قد حولت دول الخليج إلى ما يشبه "معسكرات أشغال شاقة" حديثة لملايين العمال القادمين من آسيا وأفريقيا. لقد تراكمت المليارات على حساب استغلال وحشي يكاد يضاهي ظروف العصور الوسطى من حيث تدني الأجور وسوء ظروف المعيشة والعمل. ففي الإمارات العربية المتحدة وحدها، يعمل حوالي تسعة ملايين عامل أجنبي، يشكلون العمود الفقري لاقتصاد هش مبني على أجساد مستنزفة.
الغطرسة الرأسمالية وانهيار الوهم:
وكالعادة في النظام الرأسمالي الذي يعاني أصلاً من نمو غير متكافئ، شهدت المنطقة طفرة غير طبيعية في قطاعات العقارات والصناعات التحويلية والبنية التحتية السياحية والنقل والتكنولوجيا والمراكز المالية واللوجستية. هذا النمو المتسارع تجاوز بكثير المؤهلات الحقيقية للمنطقة من حيث المناخ القاسي، والبيئة الهشة، والعمق الاستراتيجي المحدود. لقد مثلت مدن مثل دبي والدوحة نموذجاً صارخاً لغطرسة البرجوازية في تحدّي الطبيعة والعوامل الجيوسيوسياسية. إنها بوصلة الرأسمال التي لا تعرف إلا الربح، متجاهلة تماماً العواقب الكارثية على البيئة، وصحة الإنسان، وحتى النسيج الاجتماعي. أليس من المفارقة أن تفتقر هذه المجتمعات إلى أبسط مقومات الحياة، فتستورد أكثر من 80% من غذائها، وتعتمد على تحلية مياه الشرب بنسبة 70-80%، فيما العلاقات الإنسانية الحقيقية مشوهة بفعل الاستغلال الطبقي السافر بين المواطن والمقيم، وبين رأس المال والعامل المهاجر؟
الحرب تهشم الصورة وتفضح الرهان الخاسر:
في خضم الصراعات الراهنة، وخاصة الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يتكشف أن رهان الطبقة الحاكمة الخليجية على "الحماية الأميركية" كان رهاناً خاسراً بامتياز. لقد تحول الوجود العسكري الأميركي فجأة من درع حامية إلى مصدر خطر وجاذب للصراعات. وهكذا، يئن اقتصاد دول الخليج تحت وطأة ضغوط هائلة: تباطؤ تصدير النفط، انهيار قطاعات السياحة والضيافة (ففي دبي، تراجعت نسبة الإشغال الفندقي من 90% إلى 16%، وأصبح مطارها الدولي شبه معطل)، بل وبدء شركات كبرى بنقل مقراتها من الإمارات إلى السعودية (بسبب عمقها الجغرافي النسبي) أو إلى سنغافورة وهونغ كونغ. إن الصورة التي بنيت بعناية لهذه الدول – وخاصة البحرين وقطر والإمارات – كملاذات آمنة للأعمال والسياحة، قد تحطمت ولن تتعافى بالسرعة التي يتصورها المتفائلون.
الطبقة العاملة: من يدفع الثمن حقاً؟
ولكن، بينما تستطيع البرجوازية نقل رأسمالها واستثماراتها إلى بلدان أخرى، أو حجز رحلات الطيران الأولى للهروب، فإن من يدفع الثمن الفعلي لهذه الحرب هو الطبقة العاملة. تشهد قطاعات الفنادق والمطاعم والمطارات والنقل تسريحات جماعية للعمال، وتخفيضات جذرية في الرواتب، وحرمان العمال المهاجرين من تحويلاتهم المالية، بل ويُترك الكثيرون بلا عمل ولا أجر ولا حتى جواز سفر، عالقين في معسكرات عمالية أشبه بالسجون.
لقد فضحت هذه الحرب الهشاشة الجوهرية لهذه المجتمعات: مجتمعات لا تقوم على علاقات إنسانية حقيقية، بل على "ضيوف" مؤقتين؛ مجتمعات تفتقر إلى أدنى درجات الاكتفاء الذاتي أو الاعتماد على النفس؛ مجتمعات لا عمق استراتيجي لها ولا بيئة قابلة للحياة أصلاً. إن عائدات النفط والحماية الأميركية لم تكونا – ولن تكونا – كافيتين لاستدامة هذه الكيانات الهشة عند أول هزة جيوسياسية أو اقتصادية. وهذه الحقيقة هي التي تعمل البرجوازية على تمويهها وتضليل الجماهير عنها، بغية طمس الصراع الطبقي الحقيقي.
المجتمعات الراسخة في المقابل: أفق للشيوعيين:
في تناقض صارخ، نجد مجتمعات مثل إيران، العراق، سوريا، ولبنان – التي مزقتها الحروب والمصاعب والهويات المصطنعة (الطائفية والإثنية) التي فرضتها البرجوازية المحلية والإمبريالية – لا تزال مجتمعات راسخة، تحكمها علاقات إنسانية ومجتمعية عميقة، ولا تشكل تحديًا مستحيلًا للطبيعة (على الرغم من التغير المناخي)، ولديها عمق جغرافي وجيوسياسي يمنحها قدرة أكبر على تجاوز الأزمات. وهي تشهد صراعًا طبقيًا مكشوفًا ومستترًا في آن.
من هنا، تتحدد وظيفة الشيوعيين في هذه المجتمعات تحديدًا: البناء من داخل هذه الأزمات، واستثمار هذا النضج النسبي للوعي الطبقي، من أجل بناء مستقبل مختلف وعالم أفضل، يتجاوز منطق الريع، والاستغلال، والتبعية، والرهانات الخاسرة للبرجوازية في كل مكان.