أسطورة الطوفان في التاريخ
كمال غبريال
الحوار المتمدن
-
العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 22:55
المحور:
قضايا ثقافية
تُعد قصة الطوفان العظيم واحدة من أكثر القصص انتشاراً وتكراراً في تاريخ البشرية. والحقيقة المشوقة هي أن الجذور الأدبية لهذه القصة تعود إلى حضارة بلاد الرافدين (العراق القديم)، وهي تسبق النصوص الدينية المعروفة بقرون طويلة.
تسلسل الجذور التاريخية لأسطورة الطوفان من الأقدم إلى الأحدث:
1. أسطورة "زيوسودرا" السومرية (حوالي 2150 ق.م)
تعتبر هذه أقدم نسخة مكتوبة مكتشفة حتى الآن.
• البطل: الملك "زيوسودرا" (Ziusudra)، ومعنى اسمه "الذي جعل الحياة طويلة".
• القصة: تقرر الآلهة إبادة البشرية بصيحة مدمرة، لكن الإله "إنكي" (إله الحكمة) يشفق على البشر ويقوم بتحذير الملك زيوسودرا عبر جدار القصب، ويأمره ببناء قارب ضخم للنجاة.
• النهاية: بعد الطوفان الذي استمر 7 أيام، يمنح الآلهةُ زيوسودرا "الخلود".
2. ملحمة "أترا هاسيس" الأكادية (حوالي 1700 ق.م)
تقدم هذه الملحمة تفاصيل أكثر دقة حول "السبب" وراء الطوفان.
• البطل: "أترا هاسيس" (Atra-Hasis)، ومعنى اسمه "بالغ الحكمة".
• السبب: تقول الأسطورة أن البشر تكاثروا وأصبح "ضجيجهم" يمنع الإله "إنليل" من النوم، فقرر إرسال الطوفان لإسكاتهم.
• التفاصيل: يتدخل الإله "إنكي" مرة أخرى، ويعطي تعليمات لبناء سفينة تحمل بذور الحياة والحيوانات.
3. ملحمة "جلجامش" (اللوح الحادي عشر)
هذه هي النسخة الأشهر التي دمجت قصص الطوفان في إطار درامي وفلسفي.
• البطل: "أوتنابيشتيم" (Utnapishtim).
• السياق: يذهب الملك جلجامش في رحلته للبحث عن سر الخلود، فيلتقي بأوتنابيشتيم الذي يحكي له كيف نجا من الطوفان العظيم بفضل تحذير الآلهة، وكيف أطلق الطيور (الغراب واليمامة) للتأكد من انحسار المياه.
نقاط التشابه الجوهرية بين الأساطير القديمة:
تتشارك هذه الأساطير مع القصص اللاحقة في عناصر هيكلية ثابتة:
• التحذير الإلهي: بطل واحد يتم اختياره ليُحذر من الكارثة.
• بناء السفينة: تحديد مواصفات معينة للسفينة وجمع الكائنات الحية.
• العاصفة: وصف دقيق لدمار شامل يغطي الجبال.
• الطيور: استخدام الطيور لاستكشاف اليابسة بعد توقف المطر.
• القربان: تقديم البطل للأضاحي والقرابين بعد النجاة كشكر للآلهة.
ملاحظة تاريخية:
يرى علماء الآثار والمؤرخون أن هذه الأساطير قد تكون انعكاساً لفيضانات كارثية حقيقية حدثت في حوض دجلة والفرات قديماً، وتم تخليدها عبر الأجيال بصيغ أدبية ودينية.
مقارنة بين سفينة أوتنابيشتيم (من ملحمة جلجامش البابلية) وسفينة نوح (من النصوص الدينية):
أولاً: الشكل الهندسي والتصميم
• سفينة أوتنابيشتيم: صُممت لتكون مكعبة تماماً، حيث تساوى طولها مع عرضها وارتفاعها، وكانت مساحة قاعدتها تبلغ "إيكو" واحدة (حوالي 3600 متر مربع).
• سفينة نوح: صُممت بشكل مستطيل يشبه الصندوق الطويل، وهو تصميم يمنح استقراراً أكبر في مواجهة الأمواج العاتية.
ثانياً: الأبعاد والقياسات
• سفينة أوتنابيشتيم: كان طولها وعرضها وارتفاعها جميعاً 120 ذراعاً.
• سفينة نوح: كانت أبعادها أكثر تفصيلاً، حيث بلغ طولها 300 ذراع، وعرضها 50 ذراعاً، وارتفاعها 30 ذراعاً.
ثالثاً: التقسيم الداخلي (الطوابق)
• سفينة أوتنابيشتيم: تميزت بتعقيد داخلي كبير، حيث تكونت من 7 طوابق، وتم تقسيم كل طابق داخلياً إلى 9 أقسام.
• سفينة نوح: كانت أبسط في التقسيم الرأسي، حيث تكونت من 3 طوابق فقط (طابق سفلي، وطابق متوسط، وطابق علوي).
رابعاً: مواد العزل والبناء
• سفينة أوتنابيشتيم: استُخدم فيها القار (الزفت) والنفط الخام لطلاء السفينة وضمان عدم تسرب المياه إليها.
• سفينة نوح: استُخدم فيها القار لطلاء جسم السفينة من الداخل ومن الخارج لزيادة المتانة والعزل.
خامساً: مدة العاصفة والطوفان
• سفينة أوتنابيشتيم: كانت الكارثة سريعة وعنيفة جداً، حيث استمرت العاصفة 6 أيام و7 ليالٍ فقط.
• سفينة نوح: استمرت العاصفة وهطول الأمطار لفترة أطول بكثير، بلغت 40 يوماً و40 ليلة.
رحلة الاستكشاف (الطيور)
في النسختين، استُخدمت الطيور لمعرفة ما إذا كانت الأرض قد جفت، لكن الترتيب والأنواع اختلفوا قليلاً:
• أوتنابيشتيم: أرسل أولاً حمامة (عادت)، ثم سنونو (عادت)، وأخيراً غراباً (لم يعد، مما دل على جفاف الأرض).
• نوح: أرسل الغراب أولاً، ثم الحمامة ثلاث مرات (في المرة الثانية عادت بغصن زيتون، وفي الثالثة لم تعد).
التحليل الهندسي والرمزي
• المكعب البابلي: هندسياً، السفينة المكعبة (سفينة أوتنابيشتيم) غير مستقرة في الأمواج العاتية وتميل للدوران حول نفسها، لكن الرقم "7" (عدد الطوابق) كان له دلالة قدسية كبرى في ميثولوجيا بلاد الرافدين.
• المستطيل: تصميم سفينة نوح (-bm{300 -times 50 -times 30}) يشابه نسب السفن الحديثة من حيث القدرة على الطفو وعدم الانكفاء، مما يجعلها أكثر واقعية من الناحية الفيزيائية لتجريف الأمواج.
الركاب والناجون
• عند أوتنابيشتيم: لم يأخذ عائلته فقط، بل أخذ معه الحرفيين والعمال الذين ساعدوه في بناء السفينة، بالإضافة إلى ثرواته من الذهب والفضة وبذور النباتات.
• عند نوح: اقتصر الناجون من البشر على عائلته فقط (النخبة المؤمنة)، مع التركيز الأساسي على حفظ أنواع الحيوانات.
بين وحدة الأصل وتعدد الروايات
في ختام هذا الاستعراض لقصة الطوفان، يتضح لنا أن هذه الملحمة ليست مجرد قصة عابرة، بل هي إرث إنساني مشترك ضرب بجذوره في أعماق التاريخ البشري قبل آلاف السنين. فمن "زيوسودرا" السومري إلى "أترا هاسيس" الأكادي، وصولاً إلى "أوتنابيشتيم" البابلي ونوح (عليه السلام)، نجد أن جوهر القصة واحد رغم اختلاف التفاصيل الفنية والهندسية للسفن.
أهم النتائج المستخلصة:
• وحدة المصدر الجغرافي: تشير كافة الأدلة الأدبية والأثرية إلى أن منطقة وادي الرافدين كانت المهد الأول لهذه الروايات، مما يعزز فرضية وقوع حدث بيئي كارثي حقيقي في تلك المنطقة استدعى تخليده شعراً ونثراً.
• التطور الدرامي والرمزي: نلاحظ كيف تطورت القصة من "ضجيج البشر" الذي أزعج الآلهة في الأساطير البابلية، إلى "الاختبار الإلهي والعدالة" في النصوص الدينية، مما يعكس تطور الفكر الأخلاقي والروحي للبشرية.
• الإعجاز الهندسي: كشفت المقارنة بين السفن أن كل حضارة صوّرت "وسيلة النجاة" بما يتناسب مع بيئتها؛ فبينما جسّد البابليون السفينة كـ "زقورة عائمة" (مكعبة)، قدمتها النصوص اللاحقة بتصميم مستطيل أكثر توازناً مع قوانين الطفو الفيزيائية.
إن قصة الطوفان تظل تذكيراً أبدياً بصراع الإنسان من أجل البقاء، وقدرته على تحويل الكوارث الكبرى إلى دروس ملحمية تتناقلها الأجيال. فهي قصة عن النهاية التي تحمل في طياتها بداية جديدة، وعن الأمل الذي لا يغرق مهما علت الأمواج.