بين أوهام -الوعد الإلهي- وصفعة -الواقع-


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 23:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

في المشهد السياسي والفكري الراهن، تبرز ظاهرة يمكن تسميتها بـ "الفراغ العقلي"؛ وهي حالة من التردي لا تكتفي بالجهل، بل تتجاوزه إلى "تصيد" كلمات عابرة لمسؤول هنا أو تصريح أحمق لدرويش هناك، لتنسج حولها أساطير ومؤامرات.
إن تحميل كلمات "سفير أمريكي درويش" معانٍ أكثر حماقة من أصلها، وتأويلها بما لم يُقل لصناعة حالة من التحريض الأجوف، هو دليل ساطع على عقلية تعيش خارج الزمن، وتقتات على "النباح" الإعلامي الذي لا يتقن سوى العويل في وجه الريح.

خرافة "الوعود" وحقيقة "القوة"
يجب أن ندرك، وبصدمة الوعي اللازمة، أن إسرائيل لم تقم استناداً لوعود إلهية أسطورية، ولا ببركة فتاوى حاخامات محشوة جماجمهم بنفايات العصور البائدة. لقد قامت إسرائيل بفضل عقول وسواعد رجالها وعلومهم؛ قامت على أكتاف جيل يحترف البناء وصناعة الحضارة، جيل أدرك أن "نور العلم" هو الأداة الوحيدة لهزيمة الظلام.
إن الاستمرار في تفسير وجود الخصم وتفوقه بوصفه "إرادة سماوية" أو "تحقيقاً لنبوات قديمة" هو قمة الاستلاب الفكري.
الأرض، في منطق التاريخ والحداثة، لا تمنح "مناً وسلوى" لمن يرفع يديه ابتهالاً، بل لمن يمتلك القدرة على الإمساك بها، وتحويل صحاريها الجدباء إلى معامل ومصانع ومدارس.

العلم مقابل "الدروشة"
الصراع الحقيقي اليوم ليس صراع نصوص مقدسة، بل هو صراع إرادات مادية. يمتلك الأرض من يجيد تطويعها بالعلم، وليس من يدبج القصائد العصماء ظاناً أن "السيف أصدق أنباء من الكتب"، في وقت هو فيه لم يقرأ الكتب، ولم يتقن أصلاً الإمساك بالسيف!
• الخصم: يتحرك بلغة الأرقام، الميزانيات، البحث العلمي (R&D)، والتخطيط الاستراتيجي.
• الدرويش العربي: ما زال غارقاً في بكائيات "امرؤ القيس" وعنتريات "ابن شداد"، يعيش في خيالات "سوق عكاظ" والمعلقات، بينما قطار الحضارة الإنسانية ينهب الأرض نهباً بعيداً عنه.
سجن الذاكرة وأطلال الماضي
هل يفهم العقل الجمعي العربي أن البلاغة اللغوية ليست بديلاً عن البراعة التقنية؟ إن الغرق في "قفا نبكِ ذكرى حبيب ومنزل" وسط عالم يحكمه الذكاء الاصطناعي وغزو الفضاء هو انتحار حضاري.
إننا أمام عقلية "درويش" تقابلها عقلية "بناء"، وبينما ينشغل الأول بتأويل النبوءات، ينشغل الثاني بإحكام القبضة على الواقع وتغييره.

إن الأرض لا تعترف بالصلوات بقدر ما تعترف بجهد الفلاح وعقل المهندس وقوة التنظيم. إذا أراد العقل العربي أن يلحق بعربة الزمن، فعليه أولاً أن يتحرر من "الفراغ العقلي" ومن سلطة الدراويش، وأن يدرك أن الحقوق لا تُسترد بالقصائد، بل بالعلوم التي تبني القوة، وبالعمل الذي يصنع الوجود.

ورقة عمل: التحول من "عقلية الوعود" إلى "عقلية الإنجاز"
أولاً: الثورة التعليمية (تفكيك عقلية التلقين)
لا يمكن بناء جيل "يمسك بالأرض" بمنهج يعتمد على الحفظ واستظهار النصوص القديمة كحلول للمشاكل الحديثة.
• إدراج التفكير النقدي (-bm{Critical} -bm{Thinking}): تدريس الطلاب كيفية تفكيك الخطاب الإعلامي والسياسي، لتمييز "الدروشة" عن "الاستراتيجية".
• التركيز على العلوم التطبيقية (-bm{STEM}): تقليص الهوة بين التنظير والتطبيق، بحيث تصبح المدارس "معامل" لا "كتاتيب".
• فصل الأسطورة عن التاريخ: تدريس التاريخ كصراع مصالح وقوى مادية، وليس كمسرح للغيب، ليفهم الطالب أن الدول تقوم وتفنى بقوانين الاجتماع البشري.
ثانياً: إصلاح الخطاب الإعلامي (من العويل إلى التحليل)
الإعلام العربي الحالي "لا يتقن غير النباح".
الإصلاح يتطلب:
• صحافة البيانات (-bm{Data} -bm{Journalism}): استبدال المقالات الإنشائية والقصائد العصماء بتقارير تعتمد على الأرقام والخرائط والواقع الجيوسياسي.
• توعية الجمهور بـ "المغالطات المنطقية": كشف أساليب التلاعب التي يمارسها "الدراويش" لتخدير الوعي الشعبي.
ثالثاً: إدارة الموارد وبناء القوة المادية
الأرض لمن يزرعها، والقوة لمن يصنع أدواتها.
• توطين التكنولوجيا: بدلاً من استيراد أدوات الحضارة، يجب استقطاب العقول المهاجرة لبناء قاعدة صناعية حقيقية.
• الاستثمار في البحث والتطوير (R&D): تخصيص ميزانيات حقيقية للمختبرات، فالعالم لا يحترم من يملك "المعلقات"، بل من يملك "براءات الاختراع".
رابعاً: التحرر من "سوق عكاظ" الثقافي
التراث جميل كمتحف، لكنه كارثي كمحرك للسياسة.
• أنسنة التراث: النظر لبطولات الماضي (عنترة، ابن شداد) كإرث أدبي ملهم وجدانياً، مع نزع صفة "النموذج الصالح لكل زمان ومكان" عنها في القضايا التقنية والعسكرية.
• إعلاء قيمة "العمل" على "القول": تغيير الثقافة المجتمعية التي تبجل "الخطيب المفوه" وتهمش "المهندس الصامت".

مسار التحول: من الانكفاء الحضاري إلى الفعل الاستراتيجي
1. مرحلة التحرر من الأوهام (الوعي الفكري)
تبدأ الرحلة بكسر القيد الأول، وهو انتظار النبوات والوعود الغيبية لتحقيق النصر أو الرخاء. يجب استبدال هذا التواكل بعقيدة صناعة الواقع بالمختبر والمعمل؛ فالأرض لا تمنح أسرارها لمن يصلي فوقها فقط، بل لمن يفك شفراتها العلمية. الأدوات المطلوبة هنا هي تكثيف البحث العلمي الممنهج ووضع الميزانيات في خدمة التجربة لا في خدمة الخطابة.
2. مرحلة التحديث الثقافي (الزمن والحداثة)
الخطوة الثانية هي الخروج من سجون "سوق عكاظ" والذاكرة الشعرية التي تجتر الماضي، والعبور نحو عصر الذكاء الاصطناعي والرقمنة. هذا يتطلب تحديثاً جذرياً للمناهج التعليمية لتكون لغة العصر هي "الكود" والبيانات، مع الحفاظ على التراث كإرث وجداني في المتحف لا كدستور للمختبر.
3. مرحلة الانتقال من الانفعال إلى الفعل (الاستراتيجية)
بدلاً من حالة رد الفعل الغوغائية التي تكتفي بـ "العويل والنباح" الإعلامي عند كل أزمة، ننتقل إلى الفعل المخطط والاستباقي. يتأتى ذلك عبر تفعيل دور "مراكز الدراسات الاستراتيجية" التي تقرأ المستقبل بناءً على معطيات الواقع، لا على أمنيات القصائد، مما يسمح بامتلاك زمام المبادرة بدلاً من البكاء على الأطلال.
4. مرحلة إعادة هيكلة القدوة (المجتمع والقيمة)
الخطوة الختامية هي تغيير موازين التقدير الاجتماعي، بالتحول من تقديس "الدراويش" والخطباء المفوهين إلى احترام "الخبراء والعلماء". إن معيار النجاح في هذه المرحلة يجب أن يرتبط بحجم "الإنجاز المادي" وبراءات الاختراع، مما يخلق بيئة مجتمعية تبجل المهندس والتقني الصامت وتضعهما في مقدمة الصفوف لقيادة الأمة.

مانيفستو العقل والسيادة: خماسية العبور
1. الواقعية المادية: الأرض لمن يزرعها ويبنيها، لا لمن ينتظر المعجزات لتمنحه إياها.
2. سلطة المختبر: جهاز واحد مصنع بعلم، أصدق أثراً من ألف قصيدة عصماء وألف فتوى من درويش.
3. التاريخ فعل إنساني: الدول تقوم بالعقول والسواعد والتخطيط، ولا تسقط من السماء بوعود أسطورية.
4. قطيعة مع الغوغائية: استبدال "النباح الإعلامي" والضجيج العاطفي بلغة الأرقام، البيانات، والاستراتيجية.
5. قداسة العمل: التحرر من "سوق عكاظ" الفكري؛ فالحضارة تُبنى بالمهندسين الصامتين لا بالخطباء المفوهين.