الصدفة ونشأة الكون


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 02:53
المحور: قضايا ثقافية     

رحلة "الصدفة" من اللحظات الأولى لنشأة الكون وصولاً إلى تعقيدات الحمض النووي والوعي البشري، رابطاً بين الفيزياء، الكيمياء، والفلسفة.
سيمفونية الصدفة:
كيف صاغت الاحتمالات وجه الكون والحياة؟
لطالما كان التساؤل عن أصل الوجود هو المحرك الأساسي للفكر البشري. هل نحن نتاج تخطيط دقيق وقوانين صارمة، أم أننا مجرد "حادث سعيد" وقع في زاوية مهملة من كون شاسع؟
الإجابة تكمن في مزيج مذهل بين النظام الحتمي والصدفة العشوائية.
أولاً: الصدفة الكونية.. بذور الوجود:
بدأت القصة قبل نحو 13.8 مليار سنة مع الانفجار العظيم. في تلك اللحظات المتناهية الصغر، لم يكن الكون كتلة متجانسة تماماً، بل شهد ما يسميه الفيزيائيون "التقلبات الكمومية".
هذه التقلبات كانت عبارة عن "صدف مجهرية" في توزيع الطاقة. لو كان الكون منتظماً بدقة 100%، لانتشرت المادة بشكل باهت ولما تشكلت النجوم أو المجرات. لكن هذه العشوائية البسيطة سمحت للجاذبية بأن تجذب المادة في مناطق معينة، لتولد المجرات التي نراها اليوم.
لغز الضبط الدقيق (Fine-Tuning):
يواجه العلم حقيقة محيرة وهي أن ثوابت الفيزياء (مثل قوة الجاذبية وسرعة الضوء) تبدو وكأنها ضُبطت على "شعرة" تسمح بظهور الحياة.
• الجاذبية: لو كانت أقوى بجزء بسيط، لانهار الكون سريعاً.
• القوة النووية: لو تغيرت، لما استقرت ذرة الكربون التي هي أساس أجسادنا.
هنا تبرز نظرية الأكوان المتعددة كحل علمي؛ فهي تقترح أن هناك مليارات الأكوان، ونحن ببساطة نعيش في الكون الذي ربح "اليانصيب الكوني" بالصدفة المحضة.
ثانياً: الصدفة الكيميائية.. معجزة الـ DNA:
عندما ننتقل من اتساع الكون إلى مجهرية الخلية، نجد أن الصدفة استمرت في لعب دور البطولة. نشأة الحياة لم تكن حدثاً مفاجئاً، بل سلسلة من الاحتمالات:
1. الحساء البدائي: في محيطات الأرض القديمة، تصادمت الجزيئات العضوية عشوائياً لملايين السنين. هذه التصادمات لم تكن لإنتاج الـ DNA مباشرة، بل بدأت بجزيئات أبسط (مثل RNA) قادرة على نسخ نفسها.
2. تجاوز المستحيل الرياضي: إحصائياً، احتمالية تشكل بروتين واحد بالصدفة هي 1 من -{10^{164}}، وهو رقم يفوق عدد ذرات الكون. لكن الطبيعة لم تعتمد على "ضربة حظ" واحدة، بل على الصدفة التراكمية. كانت تحتفظ بالروابط الكيميائية المستقرة وتبني فوقها، مما حول المستحيل رياضياً إلى واقع ملموس عبر ملايين السنين.
ثالثاً: التطور.. الخطأ الذي صنع التنوع
بمجرد ظهور أول خلية، أصبحت الطفرات الجينية هي المحرك الجديد للصدفة. الطفرة هي في الأساس "خطأ إملائي" يحدث أثناء نسخ الحمض النووي.
• رغم أن معظم هذه الأخطاء ضارة، إلا أن بعضها يمنح الكائن ميزة للبقاء (بصر أقوى، تمويه أفضل، أو ذكاء أعلى).
• الانتخاب الطبيعي يقوم بتصفية هذه الصدف؛ فيبقي على "الأخطاء المفيدة" ويحذف الضعيفة، مما أدى في النهاية إلى ظهور الإنسان.
رابعاً: النظريات المفسرة لهذه المصادفات
حاول العلماء والمنطقيون صياغة هذه الأحداث في أطر نظرية متتالية:
• الأكوان المتعددة: تبرر وجودنا بأننا "عينة إحصائية" ناجحة وسط عدد هائل من المحاولات الفاشلة.
• المبدأ الأنثروبي: يرى أن خصائص الكون يجب أن تكون متوافقة مع وجودنا، لأننا ببساطة "هنا" لنلاحظها. لو لم تكن كذلك، لما وُجد مراقب يتساءل عن السبب.
• الضرورة الرياضية: تقترح أن القوانين ليست صدفة، بل هي حقائق رياضية مطلقة، لا يمكن أن تكون غير ذلك، ونحن نجهل السبب العميق وراءها فقط.

خامساً: الرؤية الفلسفية.. هل نحن مجرد حادث؟
في الختام، يرى الفكر المعاصر أن الصدفة ليست "فوضى" بل هي أداة للإبداع. لولا العشوائية الكمومية والطفرات الجينية، لكان الكون آلة جامدة لا حياة فيها ولا وعي.
الصدفة هي التي منحت المادة القدرة على "الارتجال"، مما سمح للذرات التي صُنعت في قلوب النجوم الغابرة أن تتجمع يوماً ما لتشكل عقلاً بشرياً يتأمل النجوم ويسأل: "لماذا أنا هنا؟".

الخلاصة: نحن نعيش في نقطة الالتقاء المذهلة بين قوانين فيزيائية صارمة وأحداث عشوائية نادرة. هذه "الصدفة" هي التي جعلت من وجودك حقيقة، ومن وعيك معجزة تستحق التأمل.