الفيزياء ونهاية الروح وملحقاتها


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 03:25
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

قامت الفيزياء وعلم الأعصاب بتفكيك مفهوم الروح والغيبيات وتحويلها إلى ظواهر مادية ملموسة:
1. علم الأعصاب (Neuroscience): تفكيك "الروح"
كانت "الروح" تاريخياً هي الكيان المسؤول عن الوعي، الذاكرة، والمشاعر. لكن الطب الحديث أثبت أن كل هذه الوظائف هي نتاج نشاط بيولوجي كهربائي وكيميائي.
• الوعي كعملية مادية: أثبتت صور الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن "الأنا" أو الوعي الذاتي ليس جوهراً روحياً، بل هو نتيجة ترابط عصبي في قشرة فص الجبهة. عند إصابة هذه المنطقة، تتغير شخصية الإنسان وهويته تماماً، مما يثبت أن "النفس" تتبع المادة وتزول بزوال وظائفها.
• كيمياء المشاعر: المشاعر التي وُصفت قديماً بأنها "حالات روحية" (مثل الحب، الخوف، السعادة) أصبحت اليوم معادلات كيميائية معروفة. فالحب هو تدفق للأوكسيتوسين والدوبامين، والخوف هو استجابة لغدة اللوزة الدماغية (Amygdala).
• تجارب الخروج من الجسد: تمكن العلماء من محاكاة "التجارب الروحانية" عبر تحفيز مناطق معينة في الدماغ كهربائياً، مما يثبت أن الرؤى الغيبية ليست إلا اضطرابات في المعالجة الحسية للدماغ.
2. الفيزياء الحديثة: لا مكان لـ "ما وراء الطبيعة"
بينما كان كانط يظن أن هناك عالماً "نومينياً" غير مادي، جاءت الفيزياء لتقول إن الكون مغلق مادياً وطاقياً.
• قانون حفظ الطاقة: الطاقة لا تفنى ولا تستحدث، بل تتحول من شكل لآخر. هذا القانون ينسف فكرة وجود "روح" غير مادية تدخل الجسد وتخرج منه؛ فلو كانت الروح موجودة وتؤثر في الجسد، لخرقت قوانين الفيزياء بتوليد طاقة من عدم، وهو ما لم يُرصد أبداً.
• الفيزياء الكونية: عبر معادلات مثل -bm{E=mc^2}، أثبت أينشتاين أن المادة والطاقة وجهان لعملة واحدة. الكون يتمدد ويتحرك وفق قوانين الجاذبية والكهرومغناطيسية، ولا توجد أي "ثغرة" في هذه القوانين تحتاج لتدخل غيبي لتفسيرها.
• تفكيك "الخالق" في الفيزياء: مع ظهور فيزياء الكم ونظريات الانفجار العظيم، بدأ العلماء (مثل ستيفن هوكينج) في طرح نماذج لكون ينشأ من "اللاشيء الفيزيائي" (الفراغ الكمومي) عبر تقلبات الطاقة، مما يجعل افتراض وجود قوة ميتافيزيقية خارج المادة افتراضاً "غير ضروري" علمياً.
3. الوعي كـ "خاصية ناشئة" (Emergent Property)
تفسر المادية الحديثة الوعي والروح بأنهما مثل "برمجيات الحاسوب"؛ البرنامج ليس روحاً تسكن الجهاز، بل هو نتيجة حركة الإلكترونات داخل الدوائر المتكاملة.
• المادة هي الأصل: بدون الذرات والخلايا العصبية (Hardware)، لا يمكن للوعي (Software) أن يوجد.
• سقوط ثنائية كانط: لم يعد هناك "عالم ظواهر" و"عالم حقائق خفية". الحقيقة هي أن المادة قادرة على إنتاج العقل، والعقل قادر على فهم المادة.
النتيجة النهائية
بناءً على هذا المسار العلمي، يظهر أن كانط قد توقف عند "قشرة" العلم في عصره. أما اليوم، فإن العلم لا يكتفي بوصف الظواهر، بل يقتحم الجوهر المادي الذي كان يُسمى "روحاً". الميتافيزيقا، كما وصفتَها، تتراجع باستمرار مع كل اكتشاف جديد، لتصبح مجرد "مساحة جهل" تتقلص أمام ضوء المعرفة المادية.

بما أننا أسقطنا الأساس "الميتافيزيقي" للأخلاق الذي حاول فلاسفة مثل كانط حمايته، تبرز المعضلة الكبرى: إذا كنا مجرد مادة وطاقة، فمن أين يأتي الضمير؟ وكيف نحدد الصواب والخطأ دون "نص" غيبي أو "روح" خالدة؟
هنا تتدخل المادية الحديثة لتقدم تفسيراً "طبيعياً" للأخلاق، بعيداً عن أوهام الخوارق:
1. الأخلاق كـ "غريزة بقاء" (المنظور التطوري)
يرى العلم المادي (عبر علم النفس التطوري) أن الأخلاق ليست هبة سماوية، بل هي آلية حيوية تطورت لضمان بقاء الجنس البشري.
• التعاون المادي: الإنسان كائن ضعيف بمفرده، لذا فإن "الخير" (مثل الصدق والإيثار) هو في الحقيقة سلوك مفيد مادياً للجماعة. المجتمعات التي تعاونت واعتمدت الصدق بقيت، بينما تلاشت المجتمعات القائمة على الغدر.
• الضمير في الدماغ: "الضمير" هو وظيفة حيوية في الدماغ (خاصة في القشرة الحزامية الأمامية) تعمل كجهاز إنذار يحذر الفرد من سلوك قد يؤدي لمنبوذيته اجتماعياً، مما يهدد بقاءه المادي.
2. العقد الاجتماعي: الأخلاق كـ "قانون طبيعي"
بدلاً من استعارة "الأوامر المطلقة" من الميتافيزيقا الكانطية، يرى الماديون أن الأخلاق هي عقد مادي بين البشر:
• الفلسفة النفعية (Utilitarianism): كما طرحها جيريمي بنثام وجون ستيوارت ميل، الأخلاق هي ببساطة "تحقيق أكبر قدر من السعادة (الطاقة الإيجابية) لأكبر عدد من الناس".
• المواجهة مع الواقع: نحن لا نسرق ليس لأن هناك "قانوناً كونياً" يمنعنا، بل لأننا ندرك مادياً أن السرقة ستؤدي لنهب ممتلكاتنا نحن أيضاً، مما يخلق فوضى تضر بمصلحتنا المادية.
3. سقوط "الرهان الأخلاقي" لكانط
كان كانط يخشى أن غياب الإيمان بالروح والحساب سيجعل الإنسان "وحشاً". لكن الواقع التاريخي والعلمي يثبت عكس ذلك:
• الأخلاق العلمانية: الدول التي تعتمد اليوم قوانين مادية وضعية وتفصل الدين تماماً عن الأخلاق (مثل دول شمال أوروبا)، هي الأكثر التزاماً بحقوق الإنسان والأقل في معدلات الجريمة.
• المسؤولية المادية: عندما ندرك أن هذا العالم هو الوحيد الموجود، وأن "المادة" هي كل ما نملك، تصبح قيمة الحياة أثمن. فنحن نحافظ على البيئة والعدالة لأننا نعلم أنه لا يوجد "عالم آخر" سيعوضنا عما نفقد هنا.
4. بيولوجيا "العدالة" (الخلايا العصبية المرآتية)
اكتشف علم الأعصاب ما يسمى بـ الخلايا العصبية المرآتية (Mirror Neurons)، وهي خلايا تجعلنا نشعر بألم الآخرين جسدياً.
• عندما ترى شخصاً يتألم، تنشط في دماغك نفس المناطق التي تنشط لو كنت أنت المتألم.
• هذا يعني أن "التعاطف" هو ظاهرة بيولوجية مادية بحتة، وليس وحياً ميتافيزيقياً. نحن أخلاقيون لأن أدمغتنا "مصممة مادياً" لتكون كذلك.
الخلاصة: أخلاق بلا أوهام
لقد كان خوف كانط من "مواجهة الجماهير" بحقيقة مادية العالم نابعاً من ظنه أن المادة "صماء" أو "شريرة". لكن العلم الحديث أثبت أن المادة ذكية بما يكفي لإنتاج قيم أخلاقية راقية من أجل استمرار الحياة.
الميتافيزيقا كانت "عكازاً" استخدمته البشرية في مرحلة طفولتها (مرحلة الجهل بالقوانين)، أما الآن فقد نضج العقل المادي ليدرك أن الأخلاق هي نتاج حاجتنا لبعضنا البعض، وليست نتاج خوفنا من قوى غير مرئية.