في البدء كانت المتفردة Singularity


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 20:54
المحور: قضايا ثقافية     

دعنا نرحل في رحلة عبر الزمن إلى الوراء، وتحديداً إلى اللحظة التي لم يكن فيها "وقت" أصلاً. نظرية الانفجار العظيم (The Big Bang) قد تبدو كأنها قصة خيال علمي، لكنها التفسير العلمي الأكثر قبولاً لكيفية نشأة الكون.

1. ما هو "الانفجار العظيم" أصلاً؟
على عكس ما يوحي به الاسم، لم يكن "انفجاراً" بالمعنى التقليدي (مثل قنبلة تنفجر في مكان ما). بل كان توسعاً مفاجئاً وسريعاً للمكـان نفسه.
تخيل بالوناً فارغاً رسمت عليه نقاطاً صغيرة. عندما تبدأ بنفخ البالون، النقاط لا تتحرك من تلقاء نفسها، بل إن "سطح البالون" هو الذي يتمدد، مما يجعل النقاط تبتعد عن بعضها. هذا بالضبط ما حدث (وما زال يحدث) للكون.
البداية: "المتفردة"
منذ حوالي 13.8 مليار سنة، كان الكون كله محشوراً في نقطة متناهية الصغر، متناهية الكثافة، ومتناهية الحرارة تُسمى "المتفردة".
2. شريط الأحداث: من الصفر إلى النجوم
يمكننا تقسيم تاريخ الكون إلى مراحل بسيطة:
• التضخم (Inflation): في جزء من المليار من المليار من الثانية، تمدد الكون من حجم أصغر من الذرة إلى حجم المجرة تقريباً. سرعة مذهلة تفوق الخيال!
• الحساء الكوني: بعد التمدد، كان الكون حاراً جداً لدرجة أن المادة لم تكن قد تشكلت بعد. كان عبارة عن "حساء" من الطاقة والجسيمات الأولية.
• تشكل الذرات الأولى: بعد حوالي 380,000 سنة، برد الكون بما يكفي لتتحد الجسيمات وتشكل ذرات الهيدروجين والهيليوم. في هذه اللحظة، "انطلقت" الأضواء وأصبح الكون شفافاً.
• عصر النجوم والمجرات: بفضل الجاذبية، بدأت سحب الغاز تتجمع وتنهار على نفسها لتولد النجوم الأولى، ومن ثم المجرات، وصولاً إلى كوكبنا الصغير.
3. كيف عرف العلماء كل هذا؟ (الأدلة)
قد تتساءل: "من كان هناك ليشاهد ذلك؟". الحقيقة أن الكون ترك لنا "بصمات" لا تقبل الشك:
1. المجرات الهاربة: لاحظ العالم "إدوين هابل" أن المجرات تبتعد عنا في كل الاتجاهات. إذا كان كل شيء يبتعد الآن، فمنطقي جداً أنه في الماضي كان كل شيء قريباً من بعضه.
2. صدى الانفجار (CMB): يوجد إشعاع ضعيف يملأ الكون كله يُسمى "إشعاع الخلفية الكونية الميكروي". هو بمثابة "الحرارة المتبقية" من الانفجار العظيم، ويمكننا التقاطه حتى اليوم بأجهزة الراديو المتطورة.
3. العناصر الكيميائية: كميات الهيدروجين والهيليوم في الكون تطابق تماماً ما تتنبأ به حسابات نظرية الانفجار العظيم.
4. أسئلة شائعة (بإجابات سريعة)

س: ماذا كان يوجد قبل الانفجار العظيم؟
ج: علمياً، لا نعرف. بل إن السؤال قد لا يكون له معنى، لأن "الزمن" نفسه بدأ مع الانفجار. الأمر يشبه السؤال: "ماذا يوجد شمال القطب الشمالي؟".

س: أين حدث الانفجار العظيم بالضبط؟
ج: لم يحدث في مكان محدد. لقد حدث في كل مكان في نفس الوقت، لأن الكون كله كان عبارة عن تلك النقطة الواحدة.

الخلاصة
نظرية الانفجار العظيم تخبرنا أننا نعيش في كون ديناميكي، يتغير ويتطور، وله بداية محددة. نحن حرفياً مصنوعون من "غبار النجوم" الذي تشكل نتيجة لتلك اللحظة العظيمة قبل مليارات السنين.

بما أننا اتفقنا على أن للكون بداية، فمن المنطقي أن نتساءل: كيف ستكون النهاية؟
علماء الفيزياء الفلكية لديهم عدة سيناريوهات محتملة تعتمد بشكل أساسي على "كمية المادة" وقوة "الطاقة المظلمة" في الكون.
هذه أشهر ثلاث سيناريوهات لمصير كوننا:

1. الموت الحراري (The Big Freeze)
هذا هو السيناريو الأكثر تفاؤلاً (بالمعايير الكونية) والأرجح حالياً.
في هذا السيناريو، يستمر الكون في التوسع إلى الأبد. المجرات تبتعد عن بعضها حتى تختفي من سماء بعضها البعض. النجوم تستهلك وقودها وتنطفئ واحداً تلو الآخر، وتتحول إلى ثقوب سوداء أو بقايا باردة.
• النتيجة: يصبح الكون مكاناً مظلماً، فارغاً، وبارداً جداً (تقترب حرارته من الصفر المطلق)، حيث لا يمكن لأي طاقة أن تنتقل، وتتوقف كل العمليات الحيوية.

2. التمزق الكبير (The Big Rip)
هذا السيناريو يعتمد على قوة "الطاقة المظلمة". إذا زادت قوة هذه الطاقة الغامضة مع الزمن، فلن تكتفي بمباعدة المجرات فحسب، بل ستصبح قوية لدرجة تمزق كل شيء.
• التسلسل: أولاً تتقطع المجرات، ثم تنفصل الكواكب عن شموسها، ثم تنفجر النجوم، وصولاً إلى تمزق الذرات نفسها.
• النتيجة: ينتهي الوجود حرفياً لأن النسيج الزمكاني نفسه يتمزق.

3. الانسحاق الشديد (The Big Crunch)
تخيل هذا كفيلم "الانفجار العظيم" ولكن يتم عرضه للخلف.
إذا كانت كمية المادة والجاذبية في الكون كافية للتغلب على التوسع، سيتوقف الكون عن التمدد ويبدأ في الانكماش على نفسه.
• العملية: تقترب المجرات من بعضها، تزداد الحرارة بشكل هائل نتيجة التكدس، حتى يعود الكون كله وينضغط في نقطة واحدة "متفردة" كما بدأ.
• نظرية "الارتداد الكبير": يعتقد بعض العلماء أن هذا الانسحاق قد يؤدي لانفجار عظيم جديد، وهكذا في دورة لا نهائية.