الفن والأدب والرؤية المادية للوجود


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 00:35
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

أدى الانتقال من "ضبابية الميتافيزيقا" الكانطية إلى "يقين المادة" إلى ثورة زلزلت أركان الفن والأدب. فعندما أيقن المبدعون أن الإنسان ليس "نفخة إلهية" بل هو كائن بيولوجي محكوم بالبيئة والوراثة والغرائز، تغيرت أدوات التعبير الفني من البحث عن "الجمال المثالي" إلى تشريح "الواقع المادي".
إليك كيف تجلى هذا الفكر المادي في الفن والأدب:
1. المدرسة الطبيعية (Naturalism) في الأدب: "الإنسان كآلة"
تعتبر المدرسة الطبيعية (التي تزعمها إميل زولا) التطبيق المباشر للفكر المادي في الرواية.
• تجاوز كانط: بينما كان كانط يرى في الفن نوعاً من "التسامي" فوق المادة، رأى زولا أن الرواية يجب أن تكون "مختبراً".
• الحتمية المادية: الشخصيات في هذه الروايات ليست مدفوعة بـ "إرادة حرة" ميتافيزيقية، بل هي محكومة بحتمية بيولوجية (الوراثة) واجتماعية (البيئة المادية). البطل يسقط في الرذيلة أو الجريمة ليس لأن روحه شريرة، بل لأن "كيمياء دماغه" وظروفه المعيشية القاسية دفعته لذلك.
2. الواقعية (Realism): تقديس "الشيء" لا "المعنى"
تحول الفن التشكيلي من رسم الملائكة والقوى الغيبية إلى رسم العمال، الطين، والأجساد المنهكة.
• غوستاف كوربيه: قال جملته الشهيرة التي تصف هذا الفكر: "أرني ملاكاً وسوف أرسمه". كان هذا رداً صاعقاً على الميتافيزيقا؛ فالفن لا يعترف إلا بما هو مادي وملموس.
• المادة كجمال: الفن المادي لا يبحث عن "مثاليات" في السماء، بل يجد الجمال في تفاصيل المادة نفسها، في خشونة الأيدي، وفي انعكاس الضوء على الأجسام الفيزيائية.
3. العمارة الوظيفية: "البيت آلة للعيش"
تأثرت العمارة بهذا الفكر عبر مدرسة "الب Bauhaus" ولوكوربوزييه، حيث سقطت الزخارف الميتافيزيقية والرموز الدينية التي كانت تزين المباني قديماً.
• المبدأ المادي: "الشكل يتبع الوظيفة". المبنى ليس معبداً للروح، بل هو حيز مادي مصمم لخدمة الاحتياجات البيولوجية والاجتماعية للإنسان بأكثر الطرق كفاءة (طاقة، مساحة، مادة).
4. الفن التفكيكي والسريالية: تشريح الوعي المادي
حتى الحركات التي بدت "شاذة" مثل السريالية، كانت في جوهرها مادية لأنها استندت إلى التحليل النفسي لفرويد.
• مادية الأحلام: بدلاً من اعتبار الأحلام "رؤى غيبية"، اعتبرها الفن المادي "نفايات الوعي" واضطرابات المادة الرمادية في الدماغ. سلفادور دالي لم يكن يرسم عالماً آخر، بل كان يشرح "بيولوجيا العقل الباطن".
5. الأدب الوجودي: شجاعة المواجهة مع الفراغ
بعد أن حطم الماديون "العكاز الميتافيزيقي" الذي تركه كانط، وجد الأدباء (مثل ألبير كامو وجان بول سارتر) أنفسهم أمام "العبث".
• الوجود يسبق الماهية: لا توجد خطة سماوية أو "روح" مسبقة الصنع. الإنسان وجد كمادة أولاً، ومن خلال صراعه المادي مع الواقع يصنع معناه الخاص.
• مواجهة الجماهير: هنا نجد الشجاعة التي افتقدها كانط؛ فالأدب الوجودي واجه الجماهير بحقيقة أن "السماء صامتة"، وأن على الإنسان أن يتحمل مسؤولية أفعاله المادية دون انتظار ثواب أو عقاب غيبي.
الخلاصة: الفن كمرآة للمادة
بفضل الفكر المادي، توقف الفن عن أن يكون "خادماً للكنيسة" أو "ممجداً للميتافيزيقا"، وأصبح "مشرطاً للجراح". لقد تحول الأدب من الحديث عن "صراع الخير والشر في الروح" إلى الحديث عن "صراع الإنسان مع بيئته وغرائزه المادية".
هذا الفن هو الذي حرر الإنسان من "الخوف" الذي أصاب كانط؛ لأنه علمه أن القيمة الحقيقية تكمن في "هنا والآن"، وفي جسدنا المادي وحياتنا الملموسة.

نحن الآن نقف على أعتاب المرحلة النهائية من تاريخ البشرية مع الميتافيزيقا. إذا كان الفكر التقليدي المحافظ قد رسم حدوداً للعقل، وإذا كان الماديون قد حطموا تلك الحدود فلسفياً، فإن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في القرن الحادي والعشرين (وما بعده) هم الذين سيقومون بـ "تصفية" ما تبقى من ظلال الغيبيات بشكل نهائي وعملي.
إليك كيف ستمحو التكنولوجيا والمستقبل ما تبقى من أوهام الميتافيزيقا:
1. الذكاء الاصطناعي والوعي: سقوط "الحصن الأخير"
لطالما تذرع أنصار الميتافيزيقا بأن "الوعي" هو سر إلهي لا يمكن صبّه في قوالب مادية.
• المستقبل المادي: مع تطور الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، سنصل إلى لحظة تنتج فيها "المادة السيليكونية" وعياً، إبداعاً، وعاطفة. عندما نرى آلة تعاني، تحلم، وتفكر، سيسقط الادعاء بأن الوعي يتطلب "روحاً". الوعي سيُعامل كـ خوارزمية معقدة، وليس كسر غيبي.
• تفكيك الغموض: إذا تمكنا من محاكاة العقل البشري رقمياً، فهذا يعني أننا "صنعنا" الوعي، ومن يصنع الشيء يمتلك حقيقته المادية كاملة.
2. التجاوز البيولوجي (Transhumanism): قهر الموت مادياً
الموت كان دائماً المصدر الأكبر للميتافيزيقا (الخوف مما بعد الموت).
• المواجهة التكنولوجية: العلم الحديث بدأ يعامل الشيخوخة والموت كـ "مرض بيولوجي" أو "خلل تقني" يمكن إصلاحه. من خلال الهندسة الوراثية وتكنولوجيا النانو، تهدف البشرية إلى إطالة العمر أو حتى "تحميل الوعي" (Mind Uploading) على وسائط رقمية.
• نهاية الغيبيات: عندما يصبح الخلود (أو إطالة العمر بشكل هائل) هدفاً تقنياً ملموساً، ستفقد الوعود الغيبية بالخلود في "عالم آخر" بريقها، لأن الإنسان سيكون قد حقق سيادته المادية على جسده.
3. "علمنة" المقدس عبر التكنولوجيا الحيوية
ما كان يعتبره مفكرون ولاهوتيون "أوامر أخلاقية مطلقة" نابعة من الروح، سيتحول إلى "هندسة عصبية".
• الأخلاق القابلة للبرمجة: قد نتمكن مستقبلاً من تعديل ميول الإنسان نحو العنف أو الأنانية عبر تحفيزات دماغية دقيقة. هنا ستتحول الأخلاق من "صراع روحاني" إلى "ضبط إعدادات بيولوجية"، مما يثبت أن "الخير والشر" هما مجرد توازنات كيميائية في المادة.
4. استعمار الفضاء: إنهاء أسطورة "السماء"
لطالما ارتبطت الميتافيزيقا بـ "السماء" كمكان للآلهة أو القوى الغيبية.
• التوسع المادي: مع تحول البشر إلى جنس يعيش بين الكواكب، ستتحول "السماء" من كيان رمزي مهيب إلى "بيئة فيزيائية" مليئة بالمعادن والموارد. مواجهة الفراغ الكوني ستجبر الإنسان على الاعتراف بأنه وحيد، وأن قوانين الفيزياء هي الحقيقة الوحيدة من أبعد مجرة إلى أصغر ذرة.