من قبضة الخوف إلى سيادة العقل: رحلة الإنسان بين الميتافيزيقا والتكنولوجيا


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 21:56
المحور: قضايا ثقافية     

بدأت حكاية الإنسان مع الوعي بلحظة "تمرد" على الطبيعة؛ فلم يعد يكتفي بالهروب من البرد أو الحيوانات المفترسة، بل بدأ بتغيير بيئته. ومع ذلك، ظل هناك "فراغ معرفي" هائل، حيث وقفت الظواهر الكبرى كالرعد، والزلازل، والأوبئة، كألغاز مرعبة لا يملك أمامها حيلة.

أولاً: سيكولوجيا الخوف واختراع القوى الغيبية:

في العصور الغابرة، كان الجهل بالسببية العلمية يؤدي حتماً إلى إسقاط صفات إنسانية أو إلهية على الظواهر الطبيعية. فبدلاً من فهم قوانين الفيزياء، لجأ الإنسان إلى "تأليه" ما يخشاه.
• الوظيفة النفسية: كان التعبد للقوى الخارجية وسيلة لمنح الإنسان شعوراً وهمياً بالسيطرة أو الحماية وسط عالم لا يفهمه.
• العجز التقني: كلما قلّت الوسائل العملية لمواجهة الخطر، زاد الاعتماد على التوسل الغيبي.

ثانياً: شعلة النار.. التكنولوجيا الأولى

يُعد اكتشاف النار المنعطف الحاسم في تاريخ "السيادة". لم تكن النار مجرد وسيلة للتدفئة، بل كانت أول تطبيق تكنولوجي حقيقي. بفضلها، استطاع الإنسان:
1. تغيير خصائص المادة (طهي الطعام، صهر المعادن لاحقاً).
2. إطالة يومه (الضوء).
3. بسط نفوذه على المفترسات.

هنا، بدأت نواته الأولى كـ "سيد لمصيره" تتشكل، وبدأ الاعتماد على الذات يحل تدريجياً محل الاستسلام للقدر.

ثالثاً: انحسار الميتافيزيقا أمام المد العلمي

مع بزوغ عصر النهضة وما تلاه من ثورات صناعية ورقمنة، حدث تحول جذري في ميزان القوى. العلم لم يقدم مجرد نظريات، بل قدم "نتائج ملموسة".
• التنبؤ بدل التضرع: لم يعد الإنسان بحاجة لتقديم القرابين لتجنب الفيضان، بل بنى السدود (الهندسة).
• العلاج بدل التمائم: تراجعت التفسيرات الغيبية للأمراض أمام اكتشاف الميكروبات والجينات (البيولوجيا).

هذا "التأثير العملي المتلاشي" للمعتقدات الميتافيزيقية الذي ذكره النص، يفسره العلم بكونه انتقالا من "مركزية الغيب" إلى "مركزية الإنسان".

فالتكنولوجيا جعلت الإنسان يرى أثر يده في كل تفاصيل حياته، مما قلص مساحة الخوف التي كانت تتغذى عليها الخيالات القديمة.

خلاصة: السيادة والمسؤولية:

إن تضاؤل الدور العملي للميتافيزيقا لا يعني بالضرورة اختفاء التساؤلات الوجودية، لكنه يعني أن الإنسان المعاصر بات يدرك أن الحل لا يأتي من الخارج، بل من المختبر والمصنع والعقل.
لقد انتقل الإنسان من كائن "يستجدي" البقاء، إلى كائن "يصمم" البقاء.

"العلم هو الطريقة التي نتوقف بها عن خداع أنفسنا، والتكنولوجيا هي الأداة التي نثبت بها سيادتنا على المادة."

الذكاء الاصطناعي:
الانتقال من السيطرة على المادة إلى السيادة على "الاحتمالات":

في السابق، كان الإنسان يخشى "المجهول" (المستقبل).
اليوم، بفضل الخوارزميات، تحول المستقبل من "قدر محتوم" إلى "بيانات قابلة للتحليل والتوقع".

1. كسر حاجز "الصدفة" (القدر الرقمي)
قديماً، كانت الكوارث أو الأزمات الاقتصادية تُفسر كـ "غضب من القوى الخارجية". اليوم:
• التنبؤ الاستباقي: يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ بالأوبئة قبل وقوعها، وتحديد مسارات الأعاصير بدقة متناهية.
• إدارة التعقيد: القدرة على معالجة مليارات المتغيرات تجعل الإنسان يشعر أنه يمتلك "رؤية ثاقبة" كانت تُنسب سابقاً للقوى الخارقة فقط.

2. التكنولوجيا الحيوية: إعادة صياغة "الخلق"
ربما كان الموت والمرض هما آخر معاقل الخوف الميتافيزيقي. لكن مع تداخل الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية:
• تعديل الجينات (CRISPR): أصبح الإنسان قادراً على "تحرير" شيفرته الوراثية، مما يعني إمكانية استئصال الأمراض قبل الولادة.
• إطالة العمر: لم يعد العمر مجرد "رقم مكتوب"، بل أصبح مشروعاً تقنياً يعمل العلماء على تحسين جودته وإطالته.
3. تلاشي "الخوارق" أمام "الواقع المعزز"
ما كان يُعتبر "معجزات" في الميثولوجيا (مثل التحدث مع الموتى، أو الطيران، أو رؤية أماكن بعيدة في لحظة) أصبح تطبيقات في متناول اليد:
• التواصل الكوني: نحن نتحدث مع أشخاص في القطب الآخر بلمسة زر.
• الخلود الرقمي: عبر تغذية الذكاء الاصطناعي ببيانات الشخص الراحل، يمكن محاكاة صوته وطريقة تفكيره، مما يكسر حدة "الفقد" التي كانت تزيد من التوجه للميتافيزيقا.

التحدي الجديد: هل يحل "الإنسان-الإله" محل "الخالق"؟

مع هذه القوة الجبارة، يبرز سؤال فلسفي عميق: هل سيؤدي العلم إلى تلاشي "الخوف" تماماً، أم سيخلق خوفاً جديداً من "الآلة" نفسها؟

• الجانب المشرق: الإنسان الآن يمتلك الأدوات لإطعام الكوكب، وعلاج السرطان، واستعمار المريخ.

• الجانب المظلم: الشعور المفرط بالسيادة قد يؤدي إلى "غرور تقني" يهمل التوازن البيئي أو الأخلاقي.

السؤال الآن:

وصول الإنسان إلى هذه الدرجة من التمكن التكنولوجي سيجعله أكثر سعادة وطمأنينة، أم أن "الخوف القديم" من الغيب سيتحول ببساطة إلى "قلق وجودي" من التكنولوجيا التي صنعها بيديه؟