التطور والدوجما الموروثة


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 08:05
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

تُعد "الدوجما" (Dogma) أو العقيدة الجامدة، هي الهيكل العظمي للمنظومات الفكرية والاجتماعية لدى الشعوب؛ فهي التي تمنح المجتمع هويته واستقراره، لكنها في الوقت ذاته قد تتحول إلى قيد يمنع أي حركة نحو المستقبل.
إن العلاقة بين طبيعة هذه الدوجما وقدرة الشعوب على التطور هي علاقة طردية أو عكسية بحسب مرونة هذه العقائد. فالمجتمعات التي تتبنى دوجما شمولية متسلطة غالباً ما تصطدم بحائط التاريخ، بينما المجتمعات التي تملك دوجما قابلة للتوافق هي التي تقود قاطرة التحديث.
1. الدوجما الشمولية: الانغلاق وسرعة التآكل
عندما تتحول الأفكار (سواء كانت دينية، سياسية، أو قومية) إلى "دوجما شمولية"، فإنها تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة والنهائية. هذا النوع من الفكر يرفض المتغيرات لكونها "تهديداً للهوية" وليس "فرصة للتطوير".
• سماتها: ترفض النقد، تعتمد على التراتبية الصارمة، وتُخوّن أو تُكفر كل ما هو خارج عنها.
• النتيجة: تعيش هذه الشعوب في حالة من "الجمود التاريخي"، حيث يتسارع العالم من حولها بينما تبقى هي حبيسة أنماط استهلاكية أو فكرية قديمة، مما يؤدي في النهاية إلى انفجار مجتمعي أو انهيار شامل عند أول أزمة كبرى.
2. الدوجما المرنة: التكيف كآلية للبقاء
على النقيض، نجد "الدوجما القابلة للتوافق". وهي منظومة قيمية تحافظ على الجوهر لكنها تترك مساحة واسعة للتأويل وإعادة التفسير بما يتناسب مع روح العصر. هذه الشعوب لا تتخلى عن إرثها، بل "تُحدثه".
• سماتها: البراجماتية، القدرة على الفصل بين الثوابت الكبرى والوسائل المتغيرة، والاعتراف بالآخر.
• النتيجة: استيعاب الصدمات التكنولوجية والمعرفية وتحويلها إلى أدوات قوة.
3. أمثلة واقعية من التاريخ والواقع المعاصر
أ. التجربة اليابانية (عصر ميجي)
تُعد اليابان المثال الأبرز لكيفية تطويع الدوجما. بدلاً من رفض الغرب بالكامل، اعتمدت اليابان شعار "الروح اليابانية والعلم الغربي".
• كيف نجحوا؟ حافظوا على دوجما "الإمبراطور" والولاء الوطني، لكنهم فرغوها من طابعها الانغلاقي وربطوها بالنهضة الصناعية والتعليم الحديث. لقد تحولت الدوجما من عائق إلى "محرك" للتغيير.
ب. الاتحاد السوفيتي مقابل الصين
• السوفيت: تمسكوا بدوجما ماركسية-لينينية أرثوذكسية شديدة التصلب، ترفض اقتصاد السوق أو الانفتاح السياسي، مما أدى لتعفن النظام من الداخل وانهياره في 1991.
• الصين: رغم بقاء "الحزب الشيوعي" كدوجما سياسية، إلا أنها أبدت مرونة مذهلة في الجانب الاقتصادي تحت شعار "لا يهم لون القط، طالما أنه يصطاد الفئران". هذا التوافق بين العقيدة السياسية والمتغيرات الرأسمالية جعلها قوة عظمى.
ج. صراعات الشرق الأوسط
تعاني العديد من شعوب المنطقة من "دوجما شمولية" (دينية أو قومية) ترفض مفاهيم مثل حقوق الفرد، المنهج العلمي التجريبي، أو الحريات السياسية. هذا الانغلاق جعل استيعاب "المتغيرات الرقمية" و"قيم العولمة" عملية مؤلمة ومليئة بالصراعات، بدلاً من أن تكون عملية بناء.
الخاتمة: حتمية المراجعة
إن الشعوب التي لا تملك القدرة على نقد "مقدساتها الفكرية" ووضعها على طاولة الفحص، هي شعوب محكوم عليها بالتبعية. التطور لا يعني محو الهوية، بل يعني تحويل هذه الهوية من قفص حديدي إلى منصة انطلاق. الدوجما التي لا تنحني أمام ريح التغيير، ستنكسر حتماً.