نعيم إيليا
الحوار المتمدن-العدد: 3959 - 2013 / 1 / 1 - 17:12
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
الروح، النفس، العقل، النوس، الوعي... ألفاظ - وإن تباينت جرساً، واختلفت في الاستعمال أحياناً - دالة على معنى واحد هو الحياة، أو هو القوة التي تحرِّك المادة الحية.
من أين جاءت الروح؟ وإلى أين تمضي؟
وقبل ذلك: ما هي؟
تساؤلات ستشغل حيزاً واسعاً من تفكير الفلاسفة عبر العصور. ولا عجب أو غرابة في أن تشغل من تفكيرهم هذا الحيز الواسع؛ فإن قضية الروح، لمن القضايا الشائكة التي لها اتصال وثيق بقضية الحياة؛ بل هي أسُّها وقوامها، إذ لا حياة من دون روح.
ولمَّا كانت الروح متصلة على هذا النحو الوثيق بالحياة، ولما كانت نشأة الحياة ما تزال غامضة مجهولة، كان اختلاف الفلاسفة حولها في الرأي وفي التصور، أمراً حتمياً نافذاً لا محيد عنه.
لقد اختلف الفلاسفة في تحديد ماهية الروح:
فمنهم من ذهب إلى أنها جوهر أثيري لطيف بسيط غير مركب؛ لأن المركب لا بد أن يكون مركباً من عناصر متعددة، وما تركّب من عناصر متعددة، عرضة - لا محالة - للانحلال والارتداد إلى عناصره التي تركّب منها.
ومنهم من ذهب إلى أنها جسيم مادي يتحرك بتلقائية وبقوى ذاتية تستجيب للمؤثرات الخارجية.
كما اختلفوا في مصدرها؛ من أين جاءت؟: فمنهم من رأى أنها نفثة من روح كلية عاقلة تحكم الكون من خارجه أو من داخله.
ومنهم من رأى أنها موجودة في أصل المادة، وأنها تنشأ مع نشوء الأبدان وتنمو بنموها.
وقد كان على الذين قالوا بأنها جزء من روح كلية، وأنها، تبعاً لذلك، طارئة على الأبدان مستقلة عنها، أن يفسروا لماذا غادرت النفس الروحَ الكلية العليا وهبطت إلى الجسد من عليائها؟
ولعله أن يكون مفيداً هنا أن نذكر تفسير سقراط، وكذلك تفسير تلميذه افلاطون: فقد فسر الأول نزول الروح إلى الأبدان بعلة الاكتمال والرَّوح أو السعادة، فكأنها كانت تكابد في مستقرها الأول النقصان - لسبب غير معلوم، لم يذكره سقراط - ولكأنها إذ تحل بالجسد، تتخلص بفضل الحلول فيه من آفة النقصان وتفوز بلذة الاكتمال.
وفسر الثاني نزول الروح إلى الأبدان بعلة التطهُّر، فلكأنها قد ارتكبت ذنباً فحكم عليها بعقوبة الحلول سجينة في البدن حتى تتطهر من ذنبها.
وكان على الذين قالوا بأنها نشأت مع نشوء الأبدان، أن يعللوا نشوءها مع الأبدان، ويذكروا مصيرها بعد موت الجسد. ولعلنا نذكر هنا - متجاوزين الفلاسفة الماديين الأوائل - أرسطوطاليس ومَنْ تبعه من فلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا وابن رشد الذين رأوا في تعليل ذلك أنّ الروح أو النفس بمنزلة الصورة من المادة؛ ولهذا فقد استحال أن تكون النفس إلا ملازمة للبدن منذ نشوئه ملازمة الصورة للمادة. بيد أنها ستنفصل عنه بعد الموت لتنطلق إلى عالم الخلود. وقريب من هذا رأيُ باروخ اسبينوزا الذي وحّد الروحَ والجسد، ولم يميز بينهما، وقال بموت نفوس الأفراد مع موت الأجساد، إلا وشلاً منها يبقى ليمتزج بالروح الكلية غير المفارقة للعالم. ولا يخفى هنا الفرق بين تصور اسبينوزا للروح الكلية أنها في أصل العالم، في داخله، وبين تصور المشائين الذين اعتقدوا بوجود الروح الكلية ولكن خارج العالم.
ولعلنا أيضاً نذكر إبيكور الذي أكد مثل أرسطو أن الروح لا تتميز من البدن في نشأتها، غير أنه، بخلاف أرسطو وتلامذته، لن يرى النفس تخلد بعد موت الجسد باتحادها بالنفس الكلية، بل تموت بموته. وهذا التصور منسجم متوافق مع نظريته في تكوين العالم (الكون). فالعالم في نظر إبيكور لم تخلقه الآلهة – مع أن إبيكور لم ينكر وجود الآلهة – وإنما تكوَّن من امتزاج ذرات الوجود الأزلية التي تنهمر في الفراغ المطلق كالمطر من أعلى إلى أدنى باستقامة، حين انحرفت – ولا نعلم مَنْ أو ما الذي أرغمها على أن تنحرف عن مسارها المستقيم - لتصطدم بما يحاذيها ويوازيها من الذرات الهابطة مثلها إلى أعماق الكون اللانهائية، ولتمتزج بها مكوّنة بهذا الامتزاج جميع الأشكال المادية المنتشرة في السماء: كالأفلاك، والنجوم، والكواكب.. وتلك المنتشرة على الأرض: كالجبال، والبحار، والنبات، والحيوان، والبشر. وإذا استبعدنا نظريته الفيزيائية، وقد أمست اليوم رثّة، في تكوين العالم، فإن تصوره لمادية الحياة، الذي يفضي بالضرورة إلى مادية الروح، سيكون عليه جميع الماديين منذ عصر النهضة بعد ديكارت، ومن هؤلاء الماركسيون على اختلاف مذاهبهم، ما عدا فئة منهم قليلة تتردد اليوم بين المادية والمثالية تحت تأثير موروثها الديني.
ويجدر بنا في هذه العجالة أن نذكر الرواقيين الذين استلهموا فكرة هيركليتس عن النار الخالدة الحية التي هي عنده أصل الكون والحركة، وأضافوا إليها أن النفس البشرية ما هي في حقيقتها إلا قبس منها، وأنها ستخلد بعد الموت ولكن إلى حين، إذ لا بد لها من أن تفنى في دورات الاحتراق العظمى التي يتعرض لها الكون بصورة دورية منتظمة متكررة.
إذن، فإن النفس عند الفلاسفة، ليست شيئاً آخر غير الطاقة أو القوة التي يتحرك بها الجسد، وهي لا تخلو: إما أن تكون قائمة بذاتها مستقلة عن البدن أزلية أبدية لا تموت أبداً بفضل انتمائها إلى نفسٍ كلية مفارقة للعالم، وإما أن تكون غير أزلية ولكن أبدية، تنشأ مع البدن، وهي في هذه الحالة: إما أنها تفارقه بعد الموت بما هي عليه، أو بشلوٍ منها، كما عند اسبينوزا، فتتحد بالروح الكلية المفارقة للعالم أو المحايثة له. وإما أن تكون هي والبدن شيئاً واحداً لا تميّز بينهما، ولا تعلُّق لها بروح كلية، فتموت بموت الجسد، وترتد إلى العناصر المادية التي كوّنتها، كما عند الماديين.
إننا، وقد ألممنا بالتصورات المتعددة عن الروح، قد نجد صعوبة في ترجيح إحداها على الأخرى؛ لأننا – كما ذكرت في البداية – لا نملك معطيات علمية صادقة ثابتة عن حقيقة الحياة وكيف نشأت. قد نعلم أن اللبنات الأساس للحياة، ماديةٌ: الكربون، الماء، الطاقة، وأنها متى توفرت في كوكب أيّ كوكب يعوم في الوجود المطلق، فسيكون من شأنها أن تنتج شروطاً ملائمة لنشأة الحياة، وقد نتكهّن بوجود الحياة في كواكب بعيدة عنا – أجرى أحد علماء الرياضيات الفيزيائية معادلات رياضية على حاسوب فائق الذكاء، انتهت إلى أنّ في الفضاء أكثر من سبعة وثلاثين ألف كوكب حي - ؛ مما يرجح، رغم صعوبة الترجيح، فكرة انتماء الروح إلى المادة.
وقد نلجأ - إن لم يكن لنا بد من الترجيح بين مختلف التصورات الفلسفية للروح - إلى الاستعانة بالمعادلات المنطقية – إن جاز التعبير – وبالاستدلالات العقلية مستهدين بالمنجزات العلمية التي تحققت في عصرنا، لترجيح فكرة مادية الروح: فإن فكرة أن الروح لا تمتّ إلى المادة، وأنها طارئة عليها من خارجها، فكرة ينفر منها العقل السليم، وهي فكرة فضلاً عن ذلك لا تقدم حلاً للمعضلة، وإنما تزيدها تعقيداً. فإذا كانت الروح تأتي المادة من خارجها ففي أيّ لحظة زمنية تدخل إليها؟ أعند ابتداء تكوّنها، أم بُعيده؟ فإن قيل في ابتداء التكوين، فهي إذاً ملازمة للمادة غير منفصلة عنها. وإن قيل بُعيد التكوين بزمن خاطف يسير، قلنا: وكيف بدأت المادة منذ اللحظة الأولى بالتكوين وهي عارية من الروح!؟
بيد أن العقل يمكنه أن يستريح إلى فكرة أزلية الروح وأبديتها عندما يتقبل مبدأ أن الروح مادة.
#نعيم_إيليا (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟