أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد محمد هاشم - فرضية سابر-وولف: اللغة سجناً للفكر















المزيد.....


فرضية سابر-وولف: اللغة سجناً للفكر


أحمد محمد هاشم
باحث في اللسانيات.

(Ahmed M. Hashim)


الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 18:20
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في زمن تتسارع فيه وسائل الاتصال وتختلط فيه اللغات على الشاشات وفي الفضاء العام، يعود سؤال قديم إلى الواجهة بحدة جديدة: هل اللغة التي نتكلمها مجرد أداة نضع فيها أفكارنا بعد أن تتكون، أم أنها تشارك من البداية في تشكيل تلك الأفكار وتوجيه الانتباه وبناء صورة العالم؟ هذا السؤال هو قلب ما يعرف في اللسانيات وعلم النفس المعرفي بفرضية سابر-وورف، أو النسبية اللغوية، وهي فكرة تقول في صيغتها العلمية المعتدلة إن اللغة لا تحبس الإنسان داخل حدود مغلقة، لكنها تؤثر في بعض طرائق إدراكه وتصنيفه وتذكره وحكمه على الأشياء.
تعود أهمية هذه الفرضية إلى أنها تمس تجربة يومية يعيشها كل إنسان دون أن ينتبه إليها. فنحن لا نسمي الأشياء فقط، بل نتعلم من خلال التسمية كيف نرتبها في أذهاننا. الطفل لا يولد وهو يعرف أين تنتهي درجة من اللون وتبدأ درجة أخرى، ولا يعرف كيف يقسم الزمن إلى ماض وحاضر ومستقبل، ولا كيف يصف الاتجاه أو القرابة أو المشاعر. اللغة التي يسمعها من حوله تمنحه خرائط أولية لهذه المجالات، ثم يأتي الإدراك والخبرة والثقافة والتعليم ليكملوا الصورة. لذلك فإن الحديث عن سابر وورف ليس ترفاً فلسفياً، بل بحث في الطريقة التي يصبح بها الإنسان كائناً اجتماعياً قادراً على فهم العالم والتواصل حوله.
لم يخترع إدوارد سابر وبنجامين لي وورف السؤال من العدم. فالتراث الفلسفي الأوروبي، من هردر إلى هومبولت، كان قد ألمح إلى أن كل لغة تحمل رؤية للعالم. غير أن سابر، في مقالته الشهيرة عن مكانة اللسانيات علماً، نقل النقاش من التأمل العام إلى دراسة اللغة بوصفها نظاماً اجتماعياً ومعرفياً دقيقاً. وقد رأى أن البشر لا يعيشون في عالم موضوعي خالص، بل في عالم تتوسطه العادات اللغوية لمجتمعاتهم. أما وورف، فقد دفع الفكرة إلى مجال أكثر جرأة حين درس لغات السكان الأصليين في أمريكا الشمالية، وخاصة لغة الهوبي، واقترح أن اختلاف البنية النحوية والدلالية قد يرتبط باختلاف في تصور الزمن والواقع.
غير أن الفرضية عانت مبكراً من سوء فهم واسع. فقد نُسب إليها أحياناً أنها تقول إن الإنسان لا يستطيع التفكير في شيء لا توجد له كلمة في لغته. هذه الصيغة تسمى الحتمية اللغوية، وهي صيغة متشددة رفضها معظم الباحثين المعاصرين. فالتاريخ العلمي نفسه يكذبها: البشر يخترعون مصطلحات جديدة، ويستعيرون كلمات، ويترجمون مفاهيم، ويفهمون أفكاراً لم يكن لها اسم سابق. لذلك لم تعد الصيغة القوية مقبولة إلا بوصفها تبسيطاً مبالغاً فيه. أما الصيغة التي لا تزال تحظى باهتمام علمي فهي النسبية اللغوية: أي أن اللغة تؤثر في الفكر بدرجات محددة، وفي مجالات قابلة للاختبار، دون أن تكون سجناً مطلقاً للعقل.
أحد المجالات التي اختبرت فيها الفرضية بدقة هو مجال اللون. فقد بينت دراسات اللون منذ عمل برلين وكاي أن اللغات لا تقسم الطيف اللوني بالطريقة نفسها، وأن تسمية الألوان ليست مسألة عشوائية تماماً ولا عالمية تماماً. وفي دراسة كلاسيكية، صمم بول كاي وويليت كمبتون اختباراً أكثر حساسية لما يسمى الأثر الوورفي، ووجدا أن وجود حدود لغوية بين فئات لونية معينة يمكن أن يؤثر في أحكام المتكلمين عند المقارنة بين الدرجات. ثم جاءت دراسة جوناثان ويناور وزملائه عن الأزرق في الروسية لتقدم دليلاً تجريبياً مشهوراً: فالروسية تميز بين الأزرق الفاتح والأزرق الداكن بكلمتين أساسيتين، وقد كان المتحدثون بالروسية أسرع في التمييز بين درجتين تقعان على جانبي هذه الحدود اللغوية مقارنة بالمتحدثين بالإنجليزية. والأهم أن هذا التفوق ضعف عندما شُغل المشاركون بمهمة لفظية، مما يشير إلى أن اللغة تعمل أحياناً بوصفها أداة نشطة في الإدراك لا مجرد قاموس ساكن.
ومع ذلك، فإن نتائج اللون لا تعني أن اللغة تخلق الرؤية من الصفر. العين البشرية والجهاز العصبي يضعان حدوداً بيولوجية مشتركة للإبصار، ولذلك لا يستطيع أي نظام لغوي أن يجعل الإنسان يرى ما لا تسمح به حواسه. لكن اللغة قد تجعل بعض الفروق أكثر حضوراً وسرعة في الانتباه. هنا تكمن قيمة الفرضية الحديثة: إنها لا تنكر الطبيعة البيولوجية للإنسان، ولا تذيبها في الثقافة، بل تبحث في منطقة التفاعل بين الدماغ واللغة والمجتمع.
المجال الثاني المهم هو المكان والاتجاه. أظهرت أعمال ستيفن ليفنسون وزملائه في معهد ماكس بلانك أن اللغات تختلف في أنظمة الإشارة المكانية. بعض اللغات تعتمد على اليمين واليسار، أي على جسم المتكلم، بينما تعتمد لغات أخرى على الجهات الأصلية مثل الشمال والجنوب والشرق والغرب. في مجتمعات تستخدم هذا النظام الأخير بكثافة، يطور المتكلمون انتباهاً دائماً للاتجاهات، لأنهم يحتاجون إليها في الكلام العادي. وقد بينت دراسة ليرا بوروديتسكي وأليس غابي عن مجتمع بورمبوراو في أستراليا أن تمثيل الزمن نفسه قد يرتبط بالاتجاهات الأصلية؛ فعندما طلب من المشاركين ترتيب صور تمثل تعاقباً زمنياً، مالوا إلى ترتيبها من الشرق إلى الغرب، أي في اتجاه حركة الشمس، لا من اليسار إلى اليمين كما يفعل كثير من المتعلمين بالكتابة اللاتينية. هذه النتيجة مهمة لأنها تشير إلى أن اللغة والبيئة الثقافية يمكن أن تعيدا تشكيل العلاقة بين الزمن والمكان في التفكير.
أما الأعداد فتقدم مثالاً أكثر حساسية. درس بيتر غوردن جماعة البيراها في الأمازون، وهي جماعة ذات نظام عددي محدود جداً، ووجد صعوبات في مهام تتطلب حفظ كميات دقيقة. ثم أعاد مايكل فرانك ودانيال إيفرت وإيفلينا فيدورينكو وإدوارد غبسون فحص المسألة، وخلصوا إلى أن لغة البيراها لا تقدم ألفاظاً دقيقة للأعداد، وأن غياب أدوات العد الدقيقة يؤثر في الذاكرة العملياتية للكميات، لا في القدرة التقريبية على تقدير الكثير والقليل. هذه النتيجة تقترح أن الأعداد ليست مجرد انعكاس فطري جاهز، بل «تقنية معرفية» تمنحها اللغة والثقافة للإنسان كي يتعامل مع الكميات الدقيقة. ومع ذلك، فهي لا تثبت أن من لا يملك كلمة للعدد لا يملك أي إحساس بالكمية؛ بل تثبت أن الدقة العددية المستقرة تحتاج إلى رموز وأدوات ثقافية.
ومن المجالات التي درستها النسبية اللغوية أيضاً الجنس النحوي. في لغات كثيرة تُعطى الأشياء غير الحية جنساً نحوياً، كأن تكون الشمس مؤنثة في لغة ومذكرة في أخرى. وقد وجدت دراسات بوروديتسكي وشميدت وفيليبس أن المتحدثين قد يربطون صفات معينة بالأشياء تبعاً لجنسها النحوي، ولو بصورة غير واعية. فإذا كانت كلمة «جسر» مذكرة في لغة ومؤنثة في أخرى، فقد تختلف الصفات التي يختارها المتكلمون لوصفه. ومع أن نتائج هذا المجال تعرضت لإعادات اختبار ونقاشات منهجية، فإنها تظل مثالاً مهماً على أن النحو ليس دائماً قالباً شكلياً محايداً، بل قد يتسرب إلى التصور والذاكرة والوصف.
وتبدو العربية، من هذا المنظور، مادة خصبة للتأمل العلمي. فهي لغة اشتقاقية تقوم على الجذر والوزن، وتسمح بتوليد شبكات دلالية واسعة من أصل واحد. من الجذر «ع ل م» تتفرع كلمات مثل علم، عالم، معلوم، تعليم، تعلم، استعلام، علامة، عليم، ومعلومات. هذا النظام لا يقدم مفردات منفصلة فحسب، بل يكشف للمتكلم علاقات داخلية بين المعاني. كذلك تمتلك العربية تمييزاً واضحاً بين المفرد والمثنى والجمع، ونظاماً غنياً للجنس النحوي، وأدوات بلاغية تجعل العلاقة بين اللفظ والمعنى شديدة الحساسية. لا يعني ذلك أن الناطق بالعربية يفكر بطريقة أفضل أو أعمق بحكم اللغة وحدها، فهذا ادعاء غير علمي؛ لكنه يعني أن العربية توفر موارد معرفية ودلالية خاصة يمكن أن تؤثر في أساليب الربط والتصنيف والتعبير.
وفي الصحافة والسياسة والإعلام تظهر الفرضية في شكل عملي محسوس. فاللغة التي نصف بها الحدث لا تنقل الحدث فقط، بل تحدد زاوية النظر إليه. عبارة مثل «إصلاح اقتصادي» ليست محايدة تماماً إذا كانت تخفي سياسات تقشفية قاسية، وكلمة «اشتباك» ليست ككلمة «اعتداء»، و«لاجئ» ليست ككلمة «مهاجر غير شرعي». تحليل الخطاب الحديث يبين أن الألفاظ تبني أطر التفكير، وأن السيطرة على المصطلحات قد تكون شكلاً من أشكال السيطرة على الفهم العام. هنا لا تعمل النسبية اللغوية في المختبر فقط، بل في العنوان الصحفي والخطاب السياسي والنشرة الإخبارية.
وفي الترجمة تظهر حدود اللغة بصورة أكثر رهافة. فالمترجم لا ينقل ألفاظاً متقابلة كما لو كان يستبدل حجراً بحجر، بل ينقل منظومة من الإيحاءات والسياقات. لذلك تبدو بعض الكلمات عصية على الترجمة الكاملة: ليس لأنها غامضة، بل لأنها محملة بتاريخ ثقافي وانفعالي لا يوجد له مقابل واحد في اللغة الأخرى. ولهذا يؤكد منظرو الترجمة أن كل ترجمة هي في جانب منها تفاوض بين عالمين دلاليين. ومن هذه الزاوية، تؤكد فرضية سابر-وورف أن التعدد اللغوي ليس عقبة أمام الفهم فقط، بل مصدر ثراء لأنه يكشف أن المعنى يمكن أن يبنى بطرائق متعددة.
وتزداد المسألة تعقيداً عندما ننظر إلى الاستعارات التي تنظم التفكير اليومي. فكثير من اللغات لا تتحدث عن الزمن بوصفه فكرة مجردة فقط، بل تستعير له صوراً مكانية: المستقبل أمامنا في بعض اللغات، وخلفنا في لغات أو ثقافات أخرى، والأسبوع «يمر»، والموعد «يقترب»، والذكريات «تعود». هذه الاستعارات ليست زخارف بلاغية فحسب، بل أدوات معرفية تجعل المفاهيم المجردة قابلة للتصور. وقد بينت دراسات في علم النفس المعرفي أن اتجاه الكتابة والعادات الثقافية يؤثران في الطريقة التي يربط بها الناس الزمن بالمكان. لذلك لم تعد الاستعارة في الدراسات الحديثة مجرد موضوع أدبي، بل أصبحت نافذة على الطريقة التي يحول بها الدماغ الخبرة الحسية إلى مفاهيم مجردة.
وتوضح دراسات الثنائية اللغوية جانباً آخر من القضية. فالشخص الذي يتنقل بين لغتين لا ينتقل بين قاموسين فقط، بل بين شبكتين من العادات التعبيرية والقواعد الاجتماعية. بعض الأبحاث في اتخاذ القرار تشير إلى أن استخدام لغة أجنبية قد يقلل الانفعال المباشر في الأحكام الأخلاقية والاقتصادية، لأن اللغة الثانية تخلق مسافة نفسية عن التجربة الأولى التي تشكلت غالباً في الطفولة. ورغم أن هذه النتائج لا تعني أن ثنائي اللغة يصبح شخصاً مختلفاً عند تغيير اللغة، فإنها تكشف أن اللسان الذي نختاره في موقف معين قد يغير درجة القرب العاطفي وطريقة حساب المخاطر والتبرير.
كما ينبغي الانتباه إلى أن أثر اللغة لا يعمل منفرداً، بل يتداخل مع التعليم والكتابة والمؤسسات والمعيشة اليومية. فالطفل الذي يتعلم الأعداد في المدرسة لا يكتسب كلمات فقط، بل يدخل في نظام رمزي واسع يشمل الكتابة والحساب والقياس والنقود والتقويم. والمتحدث الذي يستخدم الاتجاهات الأصلية لا يطور مهارة مكانية بسبب الكلمات وحدها، بل لأن البيئة الاجتماعية كلها تكافئ الانتباه المستمر إلى الاتجاه. لهذا يفضل الباحثون اليوم الحديث عن «اللغة في سياقها الثقافي» لا عن اللغة بوصفها قوة منفصلة عن الحياة. إن النسبية اللغوية الدقيقة لا تفصل اللسان عن الجسد والمجتمع، بل تفهمه جزءاً من منظومة أكبر.
ومن الناحية المنهجية، تعلم الباحثون من أخطاء المرحلة الأولى. لم يعد مقبولاً بناء استنتاجات واسعة من حكايات إثنوغرافية محدودة أو من ترجمة غير دقيقة لكلمة واحدة. الدراسات المعاصرة تعتمد على تجارب مضبوطة، ومقارنات بين مجموعات، واختبارات زمن الاستجابة، وتحليل الأخطاء، وأحياناً التصوير العصبي. كما يحرص الباحثون على التمييز بين الارتباط والسببية: فقد تختلف جماعة لغوية في أداء مهمة ما لأسباب تعليمية أو بيئية لا لغوية، ولذلك يجب تصميم التجربة بحيث تعزل أثر اللغة قدر الإمكان. هذه الصرامة المنهجية هي التي جعلت النسبية اللغوية الحديثة أكثر تواضعاً لكنها أكثر قوة.
وفي السياق العربي، يمكن أن تستفيد الصحافة والتعليم من هذا الوعي. فاختيار المفردات في المناهج والمواد الإعلامية لا ينبغي أن يترك للمصادفة، لأن الكلمات تشكل خريطة الطالب والقارئ للعالم. عندما نستخدم لغة دقيقة لوصف العلم، والبيئة، والحقوق، والاختلاف الثقافي، فإننا لا نحسن الأسلوب فقط، بل نوسع قدرة الجمهور على التمييز والتفكير. وعندما نغرق الخطاب العام في الألفاظ الغامضة أو الشعاراتية، فإننا نضيق مساحة الفهم ونحول اللغة من أداة معرفة إلى أداة تشويش. من هنا تصبح العناية بالمصطلح والوضوح اللغوي جزءاً من المسؤولية العلمية والأخلاقية للمؤسسات الإعلامية والتعليمية.
لكن النزاهة العلمية تقتضي عدم تحويل الفرضية إلى شعار جذاب يفوق الأدلة. فهناك تيار قوي في اللسانيات المعرفية وعلم الأعصاب يحذر من المبالغة في ربط اللغة بكل أشكال التفكير. فقد دافع نعوم تشومسكي عن وجود مبادئ عميقة مشتركة في القدرة اللغوية البشرية، ورأى ستيفن بينكر أن التفكير لا يساوي اللغة المنطوقة، بل يعتمد على تمثيلات عقلية أوسع. وفي السنوات الأخيرة جادل فيدورينكو وبيانتادوسي وغبسون، اعتماداً على أدلة عصبية ومعرفية، بأن اللغة في البشر المعاصرين هي في المقام الأول أداة للتواصل أكثر من كونها آلة التفكير نفسها. فالأشخاص يستطيعون حل مسائل مكانية أو موسيقية أو رياضية دون تنشيط كامل لشبكات اللغة، كما يستطيع بعض المصابين باضطرابات لغوية الاحتفاظ بقدرات استدلالية مهمة. هذه الأدلة لا تلغي النسبية اللغوية، لكنها تمنعنا من تحويلها إلى حتمية جديدة.
لذلك فإن الموقف العلمي الأكثر توازناً اليوم يقول إن اللغة ليست الفكر كله، لكنها جزء مؤثر من بيئة التفكير. إنها تشبه العدسة: لا تخلق العالم، لكنها قد تغير الوضوح والحدود والأولويات. وما نملكه من كلمات وتصنيفات واستعارات ونحو قد يجعل بعض العلاقات أسهل ملاحظة وأسرع معالجة، بينما يترك علاقات أخرى في الخلفية. هذا التأثير يكون غالباً نسبياً ومحدوداً بالسياق، ويظهر بوضوح في مهام معينة مثل اللون والاتجاه والعدد والزمن والجنس النحوي، ولا يظهر بالقوة نفسها في كل مجالات العقل.
وتأتي أهمية الفرضية اليوم من اتصالها بقضايا معاصرة. ففي التعليم، يذكرنا هذا البحث بأن تعلم لغة ثانية لا يضيف مفردات فقط، بل يوسع طرائق الانتباه والتعبير والمقارنة. وفي الذكاء الاصطناعي، يطرح سؤالاً عميقاً حول النماذج اللغوية: هل يكفي التدريب على النصوص لفهم العالم، أم أن الفهم يحتاج إلى خبرة حسية واجتماعية تتجاوز اللغة؟ وفي حماية اللغات المهددة، يقدم سبباً إضافياً للعمل: فاندثار لغة لا يعني ضياع أصوات وقواعد فحسب، بل فقدان أرشيف معرفي وتجربة تاريخية وطريقة مخصوصة في تصنيف الطبيعة والعلاقات والذاكرة.
من هنا تبدو فرضية سابر-وورف، بعد قرن تقريباً من تشكلها، أكثر نضجاً وأقل ادعاء مما كانت في بداياتها. لم يعد الباحث الجاد يقول إن اللغة تسجن العقل أو تمنع الإنسان من التفكير خارج مفرداته، لكنه لا يستطيع أيضاً أن يصف اللغة بأنها أداة شفافة بلا أثر. الحقيقة العلمية الأكثر إقناعاً هي أن اللغة تتفاعل مع الإدراك والثقافة والجسد والتجربة، وأن الإنسان يرى العالم بعينيه، نعم، لكنه يتعلم غالباً أين يركز نظره من خلال الكلمات التي عاش بينها. ولذلك فإن العناية باللغة، في المدرسة والجامعة والصحافة والسياسة، ليست عناية شكلية بالأسلوب، بل عناية بطريقة التفكير نفسها.


المصادر:
Berlin, B., & Kay, P. (1969). Basic Color Terms: Their Universality and Evolution. University of California Press.
Boroditsky, L. (2001). Does language shape thought? Mandarin and English speakers conceptions of time. Cognitive Psychology, 43(1), 1-22.
Boroditsky, L., & Gaby, A. (2010). Remembrances of Times East: Absolute spatial representations of time in an Australian Aboriginal community. Psychological Science, 21(11), 1635-1639.
Boroditsky, L., Schmidt, L. A., & Phillips, W. (2003). Sex, syntax, and semantics. In D. Gentner & S. Goldin-Meadow (Eds.), Language in Mind: Advances in the Study of Language and Thought (pp. 61-79). MIT Press.
Chomsky, N. (1965). Aspects of the Theory of Syntax. MIT Press.
Davidoff, J., Davies, I., & Roberson, D. (1999). Colour categories in a stone-age tribe. Nature, 398, 203-204.
Fedorenko, E., Piantadosi, S. T., & Gibson, E. A. F. (2024). Language is primarily a tool for communication rather than thought. Nature, 630, 575-586.
Frank, M. C., Everett, D. L., Fedorenko, E., & Gibson, E. (2008). Number as a cognitive technology: Evidence from Piraha language and cognition. Cognition, 108(3), 819-824.
Gordon, P. (2004). Numerical cognition without words: Evidence from Amazonia. Science, 306(5695), 496-499.
Gumperz, J. J., & Levinson, S. C. (Eds.). (1996). Rethinking Linguistic Relativity. Cambridge University Press.
Kay, P., & Kempton, W. (1984). What is the Sapir-Whorf hypothesis? American Anthropologist, 86(1), 65-79.
Levinson, S. C. (2003). Space in Language and Cognition: Explorations in Cognitive Diversity. Cambridge University Press.
Lucy, J. A. (1992). Language Diversity and Thought: A Reformulation of the Linguistic Relativity Hypothesis. Cambridge University Press.
Malotki, E. (1983). Hopi Time: A Linguistic Analysis of the Temporal Concepts in the Hopi Language. Mouton.
Pinker, S. (1994). The Language Instinct. William Morrow.
Regier, T., & Kay, P. (2009). Language, thought, and color: Whorf was half right. Trends in Cognitive Sciences, 13(10), 439-446.
Sapir, E. (1929). The status of linguistics as a science. Language, 5(4), 207-214.
Whorf, B. L. (1956). Language, Thought, and Reality: Selected Writings of Benjamin Lee Whorf. MIT Press.
Winawer, J., Witthoft, N., Frank, M. C., Wu, L., Wade, A. R., & Boroditsky, L. (2007). Russian blues reveal effects of language on color discrimination. Proceedings of the National Academy of Sciences, 104(19), 7780-7785.
Wolff, P., & Holmes, K. J. (2011). Linguistic relativity. Wiley Interdisciplinary Reviews: Cognitive Science, 2(3), 253-265.



#أحمد_محمد_هاشم (هاشتاغ)       Ahmed_M._Hashim#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف نردع إسرائيل؟ الخضوع العربي في ضل الهيمنة الصهيونية.
- المؤسسات التعليمية والتفكير النقدي
- الهرمية السلطوية في المؤسسات التعليمية
- جدلية الأعلام العربي وواقع المشهد العراقي


المزيد.....




- الإمارات تنفي ما يتم تداوله بشأن -زيارة نتنياهو أو استقبال و ...
- نتنياهو زار الإمارات سرا خلال الحرب مع إيران والتقى بن زايد ...
- سويسرا تبحث عن بديل أوروبي أو آسيوي لـ-باتريوت- الأمريكي
- طفل تونسي يتوج بطلا عالميا للحساب الذهني
- فرنسا تحقق في تدخل شركة إسرائيلية بالانتخابات المحلية
- مكتب نتنياهو يكشف قيامه بـ-زيارة سرية- إلى الإمارات خلال الح ...
- قرقاش: العلاقات العربية الإيرانية -لا يمكن أن تُبنى على المو ...
- ترامب يصل الصين في زيارة نادرة، وملفات التجارة وإيران وتايوا ...
- -لا ترقى الى المعايير الدولية-.. فولكر تورك يطالب إسرائيل بإ ...
- فنزويلا الولاية 51.. -أمريكا أولا- تتوسع نفطيا


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد محمد هاشم - فرضية سابر-وولف: اللغة سجناً للفكر