أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - فاتن ناظر - الطمأنينة: بين خطاب التحفيز والتنمية الذاتية إلى الإتراكسيا اليونانية. دراسة نقدية لكتاب: ابق قوياً 365يوماً في السنة














المزيد.....

الطمأنينة: بين خطاب التحفيز والتنمية الذاتية إلى الإتراكسيا اليونانية. دراسة نقدية لكتاب: ابق قوياً 365يوماً في السنة


فاتن ناظر

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 08:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إن الطمأنينة التي يسعي الجميع للحصول عليها، أو على النذر اليسير منها، كانت ومازالت مثاراً للجدل على مر العصور، بدبدايةاية من الفلسفات اليونانية القديمة، إلى عصرنا الحالي في أدبيات التنمية الذاتية وخطابات التحفيز .

إن الطمأنينة الموجودة بهذا الكتاب طمأنينة تكاد تكون خادعة، ذات لذة عابرة خاطفة تحقق الراحة المؤقتة دون التوصل إلى سكينة وراحة دائمة. تلك السكينة التي تبغي هدوءً وسلاماً شخصياً ذاتياً بعيداً عن أي عوامل خارجية من شأنها تؤثر على صفو حياة الإنسان.

أن الإنسان في أدبيات التحفيز وخاصةً في هذا الكتاب الذي نحن بصدده، هو المسؤول وحده منفرداً عن تحقيق السعاده التي يرجوها. لأن السعادة- كما تزعم بعض تلك الكتب- قرار شخصي لا يعير اهتماماً لأي تفكك أسري، أو انحراف مجتمعي، أو أي معاناة أو صعوبات خارحية، بل الأمر كله ينحصر في رؤية ذلك الإنسان الشخصية لمحيطه، فلو أراد الإنسان أن يراه جميلاً كان كما يبغي، ولو رآه قبيحاً فهو كذلك.
فمن بين أقوال هذا الكتاب على سبيل المثال: " اعثر على السعادة داخلك، ولا تعتمد على الآخرين"، وأيضاً:
" قدرك يكمن داخلك"، وكذلك: " لا يستحق أحد دموعك".

طمأنينة هذا الكتاب هي طمأنينة لا تُعد دليلاً وإرشاداً للحياة، بل إنها تُعد خطاباً أدبياً واسع الانتشار. خطاب يبدو أنه مترابط، إلا أنه في حقيقة الأمر يعد خطاباً متناقضاً في سياقه وعباراته. فهو تارة يَعِد الإنسان بالأمان والراحة عبر جمل جذابة توجّه النصيحة للإنسان للاعتماد على نفسه منفرداً دون الحاجة إلى دعم من الآخرين ومساندتهم، حيث قوله:
" قم بدورك منفرداً في جعل هذا العالم مكاناً أفضل".
ثم نجده في سياق آخر يدفع الإنسان دفعاً غير واعٍ إلى الانسياق نحو الآخرين والمجتمع بأسره والانغماس معهم، بل وتَقبّل المجتمع بكل أزماته ومعاناته، حيث يقول: " اعط ما ترغب فيه لكي تحصل عليه، فإذا كنت ترغب في أن تشعر بالسعادة، فأسعد الآخرين ".
وعلى الرغم من ذلك، فينصحنا هذا الكتاب بعدم القيام بأي محاولة للمعالجة، التي يصفها الكتاب بأنها تكاد تكون مستحيلة كما يزعم. لأن أي محاولة للتغيير محكومة بالفشل، فهي خروج عن النسق العام والعقل الجمعي للمنظومة السياسية.
حيث يقول في سطور صفحاته: " كل ما تقاومه وتحاول تغييره يستمر"، فإن كل ما على الإنسان فعله:
" أن تكون أفضل أصدقائك ".

لا يتوقف الأمر فقط على تلك التناقضات والتوترات الداخلية الموجودة بين ثنايا عبارات ذلك الكتاب، بل إنه قد يسهم أحياناً في إيثار السلبية واللامبالاة، والتي بدورها قد تؤدي إلى توقف التطور والإبداع ، والعزوف عن مشاركة بنّاءة من شأنها إحداث تغيير.

إن الكتاب عبارة عن جملٍ انتقائية اختيرت وجُمَعَت لكي يُصنع منها عمل يبدو في ظاهره جمالياً ومحفزاً ، إلا أنه في واقع الأمر ليس إلا إيهام بالفعل النفسي دون القدرة على التغيير، كتاب تَحكُمُه إرادة الرغبة دون استطاعة تحقيقها.

أما الإتراكسيا، ذلك المفهوم اليوناني الأبيقوري الذي يعني لدى الدكتور عبد الرحمن بدوي : " حالة من السلام الداخلي، يتحرر فيها الإنسان من الاضطرابات النفسية والانفعالات والخوف، مما يؤدي إلى سكينة النفس وراحة البال دون أن يفقد الإنسان دوره تجاه نفسه ومجتمعه وعالمه.
وبتلك الصيغة اليونانية لكلمة الطمأنينة لدى الأبيقوريين، فإنها تُعد معنىً مغايراً تماماً لما هو موجود بكتب التنمية الذاتية.

إن الإتراكسيا بذلك المفهوم إنما تنشأ عن عقل مفكر وفهمٍ واعٍ، وهذا الامتزاج  يترابط معاً مكوناً هدفاً، ومن ثم مساراً صحيحاً من أجل التوصل إلى النتائج المستهدفة في رحلة الحياة.

إن المخاوف التي عكفت الإتراكسيا على تحرر الإنسان منها هى الخوف من  الموت والآلهة. وذلك ليس سعياً لتقويض وهدم مفاهيم وجودية أصيلة في الحياة جُبِلَ بعض الناس على الإيمان بها دون إنكارها، وإنما جاءت فكرتهم على تحرر الإنسان من مخاوفه لكي يجعلوا من الإنسان سيد قراره وأفعاله. وبناء على مسؤوليته الكاملة هذه، وتحرره من مخاوفه، تصبح تلك المخاوف لا داع لها ولا أثر مُترتّب عليها.

لقد حققت الإتراكسيا الأبيقورية للإنسان، قوة داخلية متماسكة غير منزعجة من الأزمات الموجودة بالعالم وضغوط الحروب وصراعاتها، لأنها تتعامل مع تلك المشكلات بعقل يمتلك قوة قادرة على أن تصنع من أدواتها دروعاً وسداً منيعاً بعيداً- لو وُجدت في عصرنا الحالي- عن استلاب الآلة الإعلامية، ومحاولة تلك الآلة فرضها الدائم للتوجيه دون إتاحة حرية التوجّه، ذلك التوجيه الذي يعمل على إرساء صبغة من تزييف الحقائق وغياب الوعي، من أجل سُبات مجتمعي يصعب محاوله إيقاظه من ركوده.

أما العقل لدى الإتراكسيا الأبيقورية، فهو عقل قادر على أن يُنظّم العلاقة بين التأثر المباشر بالعالم الخارجي واستقلال ذلك العقل المستنير في اتخاذ القرار.

وأخيراً، يجدر القول أن خطورة كتب التحفيز لا تكمن في إضفاء مزيج من مشاعر التفاؤل والرضا لقبول الواقع، وتخدير الوعي بالراحة والسكينة، بل تكمن في إسهامها في إرساء غياب دور العقل ومحاولة إحباطه وتنحيته عن أي مسعى، من شأنه خلق إصلاح وبناء، بل اختزال مهمة الإنسان هي الاستغراق حول أغوار ذاته مكتفياً بتحمل هزيمته راضياً بيأسه، دون أن يُحمّل عبأ تلك الأسباب كاهل أية أحداث خارجة عنه .



#فاتن_ناظر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كراهية التفكير وإزدراء المفكرين ....
- ومضات فكرية .........
- فهمٌ جديد للقرآن (٢)...............
- فهم جديد للقرآن......
- نظرية الحصان الميت أو الفيل في الغرفة ........ عندما يصبح ال ...
- شهيد الرأي! ..... غَيَلان الدمشقي
- موعد القيامة والبعث ! ........ في السادس عشر من ذي الحجة
- ولاية المرأة ...... ملكة سبأ نموذجاً
- وثنيّة الأفكار الجائرة ضد المرأة.......
- حواء أسكنها ربها الجنة وأدم أخرجها منها ........
- ثورة النساء ضد قانون أوبيا.........
- بديهيات مرفوضة...........
- الإله ..... أُنثى !
- وللرجال عليهن درجة..... تشريف أم تكليف؟!
- رُجُولة النساء .....
- أُنثى وافتخر ..........
- تأمُّلات ............
- قراءة في كتاب الفلسفة طريقة حياة......... للكاتب بيير هادو
- ما أحوجنا اليوم إلى مصباح ديوجين !...........
- رؤى ..............


المزيد.....




- الإمارات تنفي ما يتم تداوله بشأن -زيارة نتنياهو أو استقبال و ...
- نتنياهو زار الإمارات سرا خلال الحرب مع إيران والتقى بن زايد ...
- سويسرا تبحث عن بديل أوروبي أو آسيوي لـ-باتريوت- الأمريكي
- طفل تونسي يتوج بطلا عالميا للحساب الذهني
- فرنسا تحقق في تدخل شركة إسرائيلية بالانتخابات المحلية
- مكتب نتنياهو يكشف قيامه بـ-زيارة سرية- إلى الإمارات خلال الح ...
- قرقاش: العلاقات العربية الإيرانية -لا يمكن أن تُبنى على المو ...
- ترامب يصل الصين في زيارة نادرة، وملفات التجارة وإيران وتايوا ...
- -لا ترقى الى المعايير الدولية-.. فولكر تورك يطالب إسرائيل بإ ...
- فنزويلا الولاية 51.. -أمريكا أولا- تتوسع نفطيا


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - فاتن ناظر - الطمأنينة: بين خطاب التحفيز والتنمية الذاتية إلى الإتراكسيا اليونانية. دراسة نقدية لكتاب: ابق قوياً 365يوماً في السنة