أبي… وأبي… ويدي اليسرى


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 10:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial

13 أغسطس، لا يمرُّ على رُزنامتي كما يمرُّ على الآخرين. يتوقف عند باب قلبي، ويطرقُ ثلاثَ طرقات. الأولى: ذكرى رحيل أبي المتصوّف الذي علّمني العدلَ والحب والرحمة. الثانية: ذكرى رحيل أبي الروحي، "سمير الإسكندراني"، الفنان المتصوّف الذي غمر روحي ببهجة الفن الرفيع وكان أبًا روحيًّا لصالوني الثقافي، وأما الثالثة: فهي يدي اليسرى التي علّمتني أن الاختلاف ليس نقصًا، بل نعمة وتميّزًا. فهو اليوم العالمي لمستخدمي اليد اليسرى. ثلاث مناسبات، تبدو متباعدة، لكنها في داخلي خيط واحد.
علَّمني أبي أن قيمة الإنسان بما يمنح. ترك لي ميراثًا لا ينفد: احترام الإنسان، والانحياز إلى الجمال، وعدم كراهية أي إنسان، مهما اختلف. علَّمني أن أختلف دون بغض، وأن أدافع عن الحق دون جرح. وحين غاب، اكتشفت أن الآباء لا يرحلون، بل يتحولون إلى ضمير حي يسير إلى جوارنا.
بعد رحيل أبي، جاء "سمير الإسكندراني" ليضيف إلى حياتي معنى آخر للأبوة. سافرنا معًا في مؤتمرات فكرية وفنية، فعرفتُ فيه سفيرًا مشرقًا للوطن: فنًّا ووعيًّا ووطنيةً وخفّة ظل. كان يدخل صالون "فاطمة ناعوت" يغني، ويُعلّم، ويمازح، ويُصغي، ويمنح الشباب من خبرته وفنّه لآلئ وجواهرَ. لم يكن حضوره يملأ القاعة فحسب، بل يملأ الأرواح طمأنينة وفرحًا.
كان يعرف كيف يجعل الثقافة احتفالًا، لا وجبةً ثقيلة الهضم. لم يكن مجرد ضيف دائم على الصالون، بل أحد أعمدته الروحية. ومع رحيله شعرت أن مقعده سيظل شاغرًا مهما جلس عليه آخرون، فتوقّف نبضُ الصالون مع توقّف نبض قلبه.
أما المناسبة الثالثة، فقد تبدو أقل شأنًا لمن لا يعرف حكاية العُسر مع اليد اليسرى. وُلدتُ عسراء. أو كما نقول في مصر: “شُوْلة”. كبرت في زمن كان كثيرون ينظرون إلى اليد اليسرى باعتبارها خطأ ينبغي إصلاحه. حاولت أمي "معالجتي" من عُسري، لكنها قرأت عن اختلاف نشاط فَصّي الدماغ، بين العُسر والأيامن: الذين يستخدمون اليمنى مثل معظم البشر. وحين نضجتُ قرأتُ عن تاريخ التحيز ضد مستخدمي اليد اليسرى، وكيف حملت لغات العالم هذا الظلم في مفرداتها، بينما أثبت العلم أن العُسر اختلاف طبيعي. بل إن كثيرًا من عظماء العلماء والفنانين والأدباء والرياضيين كانوا من مستخدمي اليد اليسرى. منهم: "ماري كوري"، “بيل جيتس”، "نيكولا تسلا"، "ليوناردو دافنشي"، “بيكاسو”، "مايكل أنجلو"، "تشارلي شابلن"، "مارك توين"، “محمد صلاح”، "ليونيل ميسي"، "مارادونا"، "مارتينا نافراتيلوفا"، وغيرهم الكثير.
لهذا أشعر أن يدي اليسرى تذكيرٌ يومي بأن على المجتمع احترام"المختلف"، وأن المختلف لا يحتاج إلى الاعتذار عن اختلافه، بل إلى أن يحسن استثمار اختلافه.
وحين أجمعُ الخيوط الثلاثة، أكتشف أن بينها نسبًا خفيًا. أبي علَّمني ألا أكره المختلف. "سمير الإسكندراني" علَّمني أن أحتفي بالمختلف. ويدي اليسرى علَّمتني أن أعيش باختلافي دون خوف، وأن أحترم وأحب اختلاف ابني المتوحّد "عمر"، وأشكر الله عليه كل يوم.
كانت مصادفة موجعة وعجيبة أن أفقد أبي الروحي في نفس ذكرى رحيل أبي. وكأن القدر اختار يومًا واحدًا ليجمع لي أوجاعًا ورسائلَ وجودية ثلاثة. أحبب دون شرط، لا تقاوم طبيعتك، ولا تخن قيمك، ولا تبخل بمحبتك على الجميع، واحترم المختلف، فقد يكون أعلى منك كعبًا، ولله أقربَ. الثلاثة كانوا انتصارًا للفطرة. انتصارًا للبساطة التي لا تعرف الادعاء، وللجمال الذي لا يحتاج إلى ضجيج، وللحرية التي تبدأ من التصالح مع النفس، والآخر.
في 13 أغسطس، لا أكتفي بالحزن على من رحلوا، بل أراجع ما تركوه فيَّ. أسأل نفسي: هل ما زلتُ وفيَّةً لما غرسه أبي في قلبي من قيم؟ وهل ما زلت قادرة على حمل البهجة والحب اللذين تعلَّمتهما من "سمير الإسكندراني"؟ وهل ما زلتُ أدافع عن حقي في أن أكون نفسي، وأدافع عن كل مختلف، كما دافعت يومًا عن حقي في أن أكون عسراء؟ في مثل ذلك اليوم، أعيد تذكير نفسي بأن على الإنسان ألا يُعدّد الذين رحلوا من حياته وتركوا في قلبه جروحًا لا تبرأ، بل عليه أن يُعدّد الذين ما زالوا يعيشون فيه، يتنفسون ويحاورون ويُعلّمون.
أبي يعيش في ضميري، ولا يبرحني لحظة. “سمير الإسكندراني"، يملأ بيتي شدوًا وموسيقى وفرحًا. وأما يدي اليسرى فما زالت تكتب. تكتبُ عن الإنسان، وعن المحبة، وعن قيم الحق والعدل والجمال، وتكتب عن الله الذي أوصانا بكل ما سبق.
مقام السؤال:
تُرى، لو خلقنا الله متشابهين، فما الشاهدُ على عبقرية الخالق في التنوّع، الذي هو إحدى لغات الجمال؟ لو تشابهنا جميعًا، هل كان للحب أن يختار، وللعقل أن يكتشف، وللروح أن تندهش؟
***