ماذا يجب علينا أن نفعل؟
زهير الخويلدي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 08:12
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
مقدمة
في كل تحول حضاري يقف سؤال واحد، حاد ومُلحّ: ماذا يجب علينا أن نفعل؟ ليس السؤال مجرد استفسار أخلاقي فردي، بل هو سؤال وجودي جماعي يتعلق بمصير الأمم والحضارات. عندما تتعثر الإنسانية في أزمات الاغتراب، الاستعمار، الاستهلاك، والفراغ الروحي، يعود هذا السؤال ليُعيد تشكيل الوعي الإنساني. في الغرب، بدأ هذا السؤال يتشكل بشكل منهجي مع إيمانويل كانط في نهاية القرن الثامن عشر، حيث أصبح الواجب الأخلاقي محور الفلسفة العملية. ثم تطور عبر الوجودية السارترية في منتصف القرن العشرين إلى حرية مطلقة تفرض على الإنسان مسؤولية كونية. أما في السياق العربي الإسلامي المعاصر، فقد تجسد السؤال نفسه عند علي شريعتي في السبعينيات كدعوة ثورية للعودة إلى الذات الإسلامية المُقاتلة، ثم عند حسن حنفي كمشروع تجديدي يربط بين التراث والواقع في إطار «اليسار الإسلامي». هذه الدراسة تقارن بين هاتين المسارتين الفكريتين لا لتبحث عن تطابق سطحي، بل لتكشف عن إمكانية تجديد حضاري يجمع بين الاستقلالية العقلية الغربية والالتزام الثوري الإسلامي. التجديد الحضاري هنا ليس استنساخاً للغرب ولا تقليداً أعمى للسلف، بل هو فعل إبداعي يعيد بناء الهوية الإنسانية في مواجهة تحديات العولمة والتكنولوجيا والانهيار البيئي والأخلاقي. فما السؤال الأبدي في زمن الأزمة الحضارية؟
أولا: من كانط إلى سارتر – التحول من الواجب العقلي إلى المسؤولية الوجودية
1. كانط: الواجب كقانون كوني
يبدأ كانط في «نقد العقل العملي» (1788) بسؤال أخلاقي أساسي: كيف يمكن للإنسان أن يتصرف بحرية حقيقية دون أن يخضع للرغبات أو الظروف الخارجية؟ الجواب هو الأمر القطعي: «اعمل دائماً بحيث تكون قاعدة إرادتك في الوقت نفسه مبدأً لتشريع عام». هذا الواجب ليس دينياً ولا عاطفياً، بل عقلياً بحتاً. الإنسان يصبح «غاية في ذاته» لا وسيلة، والأخلاق تصبح استقلالية ترفض الوصاية الخارجية. في زمن التنوير، كان هذا الجواب ثورياً: يحرر الإنسان من الخرافة والسلطة الدينية التقليدية، ويجعله مشرّعاً لنفسه. لكن الواجب الكانطي يظل مجرداً؛ هو يفترض وجود عقل كوني يتجاوز الزمان والمكان، ولا يتعامل مباشرة مع التناقضات التاريخية أو الصراع الاجتماعي
.2. سارتر: الحرية كإدانة ومسؤولية
مع جان بول سارتر في «الوجودية هي مذهب إنساني» (1946) و«الوجود والعدم» (1943)، يتحول السؤال من «ما الواجب؟» إلى «ماذا أفعل أنا الآن، في هذا العالم اللامعقول؟». الوجود يسبق الماهية: الإنسان ملقى في العالم دون دليل مسبق، وعليه أن يخترع قيمه بنفسه. الحرية هنا مطلقة ومُرعبة: «الإنسان محكوم عليه بالحرية». سارتر يرفض «السوء النية» – أي الهروب من المسؤولية باللجوء إلى القدر أو الطبيعة أو المجتمع. كل فعل فردي هو في الوقت نفسه فعل كوني؛ عندما أختار، أختار نيابة عن البشرية كلها. هنا يلتقي سارتر مع كانط في الطابع الكوني للاختيار، لكنه يجعله تاريخياً وملموساً: الالتزام السياسي والثوري أصبح واجباً وجودياً. الوجودية السارترية هي، إذن، انتقال من الواجب العقلي المجرد إلى المسؤولية الوجودية الملتزمة بالواقع الاجتماعي والسياسي.
ثانيا: من علي شريعتي إلى حسن حنفي – الثورة الدينية كفعل تجديدي
1. علي شريعتي: العودة إلى الذات كثورة ضد الاستلاب
في سياق إيران ما قبل الثورة الإسلامية (1979)، طرح علي شريعتي السؤال «ماذا يجب علينا أن نفعل؟» كدعوة لـ«العودة إلى الذات». الذات هنا ليست فردية بل حضارية: الذات الإسلامية المُضطهدة تحت وطأة الاستعمار الثقافي والاستبداد الديني. شريعتي يميز بين «الشيعة الحمراء» (ثورية، علوية، تُجسّد المقاومة والشهادة) و«الشيعة السوداء» (تقليدية، صفوية، تُبرّر الاستبداد). الفعل المطلوب هو الالتزام الثوري المستمد من كربلاء كرمز أبدي للرفض. تأثر شريعتي بالوجودية السارترية (التي كان يترجمها ويدرّسها) جعله يرى أن الإنسان المسلم ليس مُقدّراً بل مُخيّراً: عليه أن يختار المقاومة ضد «الاستلاب» الذي يفرضه الغرب الرأسمالي والشرق الاشتراكي على حد سواء. «ماذا نفعل؟» عند شريعتي يعني: نُحوّل الدين من أفيون الشعوب إلى أيديولوجيا تحرير، ونُحوّل المسجد إلى معسكر ثوري، ونُحوّل الفرد إلى شهيد يصنع التاريخ
.2. حسن حنفي: التجديد كعلم الواقع والالتزام اليساري
يأخذ حسن حنفي السؤال خطوة أبعد في مشروعه «اليسار الإسلامي» و«فينومينولوجيا الإسلام». التجديد ليس مجرد إحياء التراث، بل إعادة قراءة التراث من منظور الواقع المعاصر. الحنفي يستعير من هوسرل وهيدغر أدوات الفينومينولوجيا ليقول: الإسلام ليس نصاً جامداً بل «وعياً بالوجود» يجب أن يتحول إلى ممارسة.«ماذا يجب علينا أن نفعل؟» عنده يعني:نقد الفقه التقليدي الذي أصبح أداة للاستبداد.
إعادة بناء «علم الأصول» على أساس الإنسان كمركز (أنثروبولوجيا إسلامية).
تحويل التوحيد من عقيدة نظرية إلى برنامج سياسي واقتصادي يقاوم الرأسمالية والإمبريالية.
حنفي يرى أن الثورة الحقيقية تبدأ داخل الوعي الإسلامي نفسه: من النظرية إلى التطبيق، من التراث إلى المستقبل. التجديد الحضاري عنده هو «الإسلام التقدمي» الذي يجمع بين العقلانية والعدالة الاجتماعية دون أن يتنازل عن الهوية.
ثالثا: المقارنة والتكامل – نحو مقاربة حضارية تجديدية
أوجه التقارب
الاستقلالية والمسؤولية: كانط يُحرّر الإنسان بالعقل؛ سارتر يُحمّله بالحرية؛ شريعتي يُحرّره بالعودة إلى الذات الثورية؛ حنفي يُحرّره بالفينومينولوجيا التجديدية. في الحالتين، يرفض الإنسان أن يكون شيئاً ويصر على أن يكون مشروعاً.
الالتزام بالواقع: الانتقال من النظرية إلى الفعل مشترك. الواجب الكانطي يصبح التزاماً سارترياً، والإيمان الشريعتي يصبح ممارسة حنفية.
الرفض للاغتراب: كلاهما ينتقد المجتمع الذي يحوّل الإنسان إلى أداة (سواء الرأسمالية أو التقليد الديني الجامد).
أوجه الاختلاف والتكامل الممكن
الغربي (كانط-سارتر) يبدأ من الفرد المجرد ثم يصل إلى الكوني؛ الإسلامي (شريعتي-حنفي) يبدأ من الأمة والتراث ثم يصل إلى الإنسانية.
الغربي علماني في جوهره؛ الإسلامي يرى الدين كمصدر للتحرير لا كمانع.
التكامل المقترح: تجديد حضاري يجمع بين استقلالية العقل الكانطية-سارترية والالتزام الثوري الشريعتي-حنفي.
هذا التجديد يعني:بناء أخلاق عالمية لا ترفض الخصوصية الثقافية.
تحويل الجامعات والمساجد إلى مراكز لإنتاج الوعي النقدي.
مواجهة التحديات العالمية (الذكاء الاصطناعي، التغير المناخي، اللامساواة) بمشروع حضاري يقول: «نحن نصنع مصيرنا، لا ننتظره».
خاتمة:
«ماذا يجب علينا أن نفعل؟» ليس سؤالاً فلسفياً مجرداً بعد اليوم. إنه نداء للعمل الحضاري في زمن يُهدّد فيه الفراغ الروحي والتقني بتحويل البشرية إلى كائنات استهلاكية. من كانط نأخذ استقلالية العقل، من سارتر نأخذ الشجاعة في مواجهة العبث، من شريعتي نأخذ حماسة الثورة الدينية، ومن حنفي نأخذ المنهج العلمي للتجديد. الإجابة الوحيدة الممكنة في عصرنا هي: نفعل ما يجعلنا نستحق أن نكون بشرًا – نرفض الاستلاب، نختار الحرية، نُعيد بناء حضارة تكون فيها الإنسانية غاية لا وسيلة، وفيها الإيمان والعقل والثورة يلتقون في فعل واحد: التجديد المستمر. هذا هو الطريق الوحيد الذي يجعلنا نجيب على السؤال الأبدي ليس بالكلام، بل بالوجود نفسه. فكيف ينحت الفعل مصيرنا الحضاري؟
كاتب فلسفي