تجارب لاهوت التحرير في العالم بين النشأة التاريخية والتأثيرات المعاصرة


زهير الخويلدي
الحوار المتمدن - العدد: 8627 - 2026 / 2 / 23 - 09:40
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني     

مقدمة
اللاهوت التحرري أحد أبرز التيارات اللاهوتية في القرن العشرين، الذي نشأ في سياق الظلم الاجتماعي والاقتصادي في أمريكا اللاتينية، وسرعان ما امتد إلى مناطق أخرى مثل أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. يركز هذا اللاهوت على تفسير النصوص الدينية، خاصة الكتاب المقدس، كأداة لتحرير الفقراء والمضطهدين من الاستغلال الرأسمالي والاستعماري، مستلهماً من مفهوم "خيار تفضيلي للفقراء" الذي يرى في الله مدافعاً عن المهمشين. على عكس اللاهوت التقليدي الذي يركز على الجانب الروحي، يجمع اللاهوت التحرري بين اللاهوت والتغيير الاجتماعي، مما يجعله تياراً ثورياً يمزج بين الإيمان والنضال السياسي. تهدف هذه الدراسة الأكاديمية إلى توسيع في هذا الموضوع بشكل مسترسل، مستعرضة نشأته التاريخية، أبرز شخصياته، تأثيره على المجتمعات المختلفة، والنقود الموجهة إليه، مع الاستناد إلى مصادر أكاديمية وتاريخية لفهم دوره في العالم المعاصر. فمتى وأين تشكل لاهوت التحرر في العالم؟
أولا: النشأة التاريخية
يبدأ اللاهوت التحرري في الستينيات من القرن الماضي، في أعقاب المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965)، الذي شجع على إعادة قراءة الكتاب المقدس في سياقات اجتماعية حديثة. كان السياق الرئيسي هو أمريكا اللاتينية، حيث سادت الفقر والاستبداد المدعوم من الولايات المتحدة، مما دفع كهنة كاثوليكيين إلى ربط الإنجيل بالنضال الاجتماعي. في يوليو 1968، اجتمع أبرز ممثلي هذا التيار في بيرو، حيث قدم غوستافو غوتييريز عرضاً شاملاً لـ"لاهوت التحرير"، الذي أصبح أساساً للكتاب الشهير "لاهوت التحرير" (1971)، الذي يرى في التحرير عملية شاملة تشمل الروحي والاجتماعي. هذا الاجتماع كان نقطة تحول، إذ أكد على أن اللاهوت يجب أن يكون "تأملاً في الممارسة"، مستمداً من تجارب الفقراء بدلاً من النظريات المجردة. لقد تأثر اللاهوت التحرري بالماركسية، حيث استخدم تحليل الطبقات الاجتماعية لتفسير قصص الخروج من العبودية في الكتاب المقدس، مثل خروج بني إسرائيل من مصر كرمز للثورة ضد الظلم. ومع ذلك، لم يكن مجرد تبنٍ للماركسية، بل محاولة لإعادة صياغتها في إطار مسيحي، كما يظهر في أعمال غوتييريز الذي يؤكد أن "التاريخ هو مكان لقاء الله بالإنسان".
امتد هذا التيار إلى الإنجيليين أيضاً، مثل رينيه باديلا من الإكوادور وساموئيل إسكوبار من البيرو، الذين دعوا إلى لاهوت تحريري إنجيلي يركز على العدالة الاجتماعية. في السبعينيات، أصبح جزءاً من حركات الثورة في نيكاراغوا والسلفادور، حيث شارك كهنة في الحكومات الثورية.
ثانيا: أبرز الشخصيات والمساهمات الفكرية
يُعد غوستافو غوتييريز (مواليد 1928) أب اللاهوت التحرري، الذي طور مفهوم "الخيار التفضيلي للفقراء"، معتبراً أن الله يقف إلى جانب المهمشين، مستلهماً من العهد القديم والجديد. كتابه "لاهوت التحرير" أصبح مرجعاً أساسياً، يربط بين التحرير الروحي والسياسي. أما ليوناردو بوف (مواليد 1938)، فقد أضاف بعداً بيئياً، رابطاً بين استغلال الفقراء وتدمير الطبيعة، في كتبه مثل "الصرخة من الأرض". في السياق السياسي، يبرز إرنستو كاردينال (1925-2020)، الشاعر والكاهن النيكاراغوي، الذي شغل مناصب وزارية في حكومة الساندينيستا، وعدّ أبرز وجوه اللاهوت التحرري بسبب اندماجه في الأنشطة الثورية ضد الديكتاتورية. في خارج أمريكا اللاتينية، امتد التأثير إلى لاهوت تحرير أسود في جنوب أفريقيا، مع شخصيات مثل ديزموند توتو، الذي استخدمه ضد الفصل العنصري. كذلك، ظهر لاهوت تحرير إسلامي، كما يشير إلى ذلك بعض المفكرين مثل عاصم دسوقي، الذي يرى في النصوص الإسلامية أساساً للاهوت تحريري يدعم الثورات الاجتماعية. في السياق الفلسطيني، طور نعيم عطيفة وآخرون "لاهوت التحرير الفلسطيني"، الذي يربط بين الصراع الإسرائيلي-فلسطيني والقيم المسيحية، معتبراً الأرض المقدسة رمزاً للعدالة. هذه الشخصيات ساهمت في جعل اللاهوت التحرري تياراً عالمياً، يتجاوز الحدود الدينية والجغرافية.
ثالثا: التأثيرات المعاصرة والتطبيقات العملية
في الحقبة المعاصرة، يستمر تأثير اللاهوت التحرري في الحركات الاجتماعية، خاصة في مواجهة العولمة والتغير المناخي. في أمريكا اللاتينية، ساهم في صعود حكومات يسارية مثل تلك في البرازيل وبوليفيا، حيث أدى إلى إصلاحات أرضية واجتماعية. معاصرًا، أصبح جزءاً من النقاشات حول العنف في الشرق الأوسط، كما في لاهوت التحرير الفلسطيني الذي يزداد أهمية بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، حيث يربط بين الإنجيل والنضال ضد الاحتلال. كذلك، امتد إلى اللاهوت البيئي، حيث يرى في استغلال الطبيعة امتداداً لاستغلال الفقراء. ومع ذلك، واجه اللاهوت التحرري نقداً شديداً من الفاتيكان، خاصة في عهد البابا يوحنا بولس الثاني، الذي رآه مزجاً غير مشروع بالماركسية، مما أدى إلى إدانته في وثيقة "تعليمات حول بعض جوانب لاهوت التحرير" (1984). يُتهم أيضاً بأنه "إلحاد صريح"، حيث يستبدل الله بالإنسان والوحي بالتاريخ، كما يقول بعض النقاد. رغم ذلك، أعاد البابا فرانسيس، الذي ينحدر من أمريكا اللاتينية، الاعتراف به جزئياً، معتبراً أنه يعكس "الخيار للفقراء" كجوهر المسيحية.
خاتمة
اللاهوت التحرري ليس مجرد نظرية لاهوتية، بل حركة تحولية غيرت دور الدين في المجتمع، محولاً الإيمان إلى أداة للعدالة الاجتماعية. من نشأته في أمريكا اللاتينية إلى تأثيره العالمي، يظل تياراً يواجه التحديات المعاصرة مثل عدم المساواة والصراعات الإقليمية. لمستقبله، يحتاج إلى تجديد ليواجه النقود، مع الحفاظ على جوهره التحرري، مما يجعله مصدر إلهام للأجيال الجديدة في البحث عن عالم أكثر عدلاً. فكيف انتشرت أفكار لاهوت التحرر في العالم العربي الاسلامي واقترنت بالنضال الوطني الفلسطيني؟
كاتب فلسفي