لاهوت التحرير الفلسطيني


زهير الخويلدي
الحوار المتمدن - العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 09:31
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم     

لاهوت التحرير الفلسطيني تياراً لاهوتياً مسيحياً فلسطينياً ينشأ من سياق الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، حيث يُعاد تفسير النصوص الكتابية لتعكس النضال ضد الاحتلال والاستعمار. مستوحى من لاهوت التحرير اللاتيني الأمريكي، يركز هذا التيار على "الخيار التفضيلي للفقراء والمضطهدين"، لكنه يتكيف مع الواقع الفلسطيني بتركيزه على قضايا الأرض، الهوية، والعدالة الاجتماعية. نشأ في الثمانينيات كرد فعل على الاحتلال الإسرائيلي، وأصبح أكثر أهمية بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، حيث أدى التصعيد في غزة إلى إعادة قراءة اللاهوت في سياق الإبادة الجماعية والتضامن العالمي. تهدف هذه الدراسة إلى توسيع في هذا الموضوع بشكل مسترسل، مستعرضة نشأته، أبرز شخصياته، تأثيره على المجتمعات، والتحديات بعد أحداث 2023، مع الاستناد إلى تحليلات أكاديمية لفهم دوره في بناء مقاومة روحية واجتماعية. فماذا عن النشأة التاريخية والأسس الفكرية للظاهرة في الفضاء الفلسطيني؟
بدأ لاهوت التحرير الفلسطيني في الثمانينيات، مع تأسيس مركز سابيل في القدس عام 1989 على يد القس نعيم عطا لله، الذي رأى في الكتاب المقدس أداة لمقاومة الاحتلال. يعتمد هذا اللاهوت على إعادة قراءة النصوص الكتابية من منظور المضطهدين، مستلهماً من لاهوت التحرير اللاتيني الأمريكي الذي طوره غوستافو غوتييريز، لكنه يركز على السياق الاستعماري الفلسطيني، حيث يُقارن الاحتلال الإسرائيلي بالاستعمار في الكتاب المقدس مثل قصة الخروج من مصر. أساسه الفكري هو رفض "اللاهوت الصهيوني" الذي يستخدم الكتاب المقدس لتبرير الاستيطان، مقابل تأكيد على "العدالة الإلهية" التي تدعم الشعوب المضطهدة. في سياق النكبة عام 1948 والاحتلال عام 1967، أصبح اللاهوت رد فعل على تهميش المسيحيين الفلسطينيين، الذين يشكلون أقلية متناقصة (حوالي 1-2% من السكان). يرى هذا التيار في يسوع المسيح "فلسطينياً مضطهداً"، مما يجعل الإنجيل أداة للمقاومة السلمية والتضامن مع المسلمين واليهود المناهضين للصهيونية. كما أنه يتجاوز الحدود الدينية، حيث يدعو إلى تحرير شامل يشمل الفقراء في جميع الأديان، مع التركيز على "الأرض المقدسة" كرمز للعدالة لا للاستحواذ. هذه الأسس جعلته حركة إكومينية (توحيدية) تجمع بين الكاثوليك والأرثوذكس والإنجيليين في فلسطين. ماهي الشخصيات الرئيسية والمساهمات الفكرية لها في دعم هذا التوجه الثقافي مابعد كولونيالي؟
يُعتبر نعيم عطا لله أبرز مؤسسي اللاهوت التحريري الفلسطيني، حيث أسس مركز سابيل وكتب كتاب "عدالة وفقط عدالة: لاهوت فلسطيني للتحرير" (1989)، الذي يعيد تفسير قصة يونان كدعوة للتعاطف مع الآخر، مع نقد الاستخدام الصهيوني للكتاب المقدس. كما يبرز ميتري راهب ، راعي كنيسة عيد الميلاد في بيت لحم، الذي طور اللاهوت في كتابه "دينونة فلسطين: لاهوت التحرير في السياق الفلسطيني" (2023)، حيث يربط بين الاستعمار الاستيطاني واللاهوت، داعياً إلى "إزالة الاستعمار" من الكتاب المقدس. راهب يؤكد على أن اللاهوت يجب أن يكون "منظراً من أسفل"، أي من تجارب الشعب الفلسطيني. من الشخصيات الأخرى، يأتي منير فاش ، الذي أصبح صوتاً بارزاً بعد 2023، حيث يدعو إلى تضامن عالمي ضد "الإبادة في غزة"، مستلهماً من اللاهوت الأسود واللاتيني. كذلك، ساهم عطا لله حنا ، رئيس أساقفة الروم الأرثوذكس، في ربط اللاهوت بالمقاومة السلمية، مع التركيز على الوحدة بين المسيحيين والمسلمين. هذه الشخصيات ساهمت في جعل اللاهوت أداة للمقاومة الثقافية، من خلال مؤتمرات مثل تلك في سابيل، التي تناقش إعادة قراءة العهد القديم بعيداً عن التفسيرات الصهيونية. لكن ماهي التأثيرات المعاصرة والتحديات بعد أحداث 7 أكتوبر 2023؟
ازداد تأثير لاهوت التحرير الفلسطيني بعد أحداث 7 أكتوبر 2023 والحرب على غزة، حيث أصبح أداة لتفسير "الإبادة الجماعية" من منظور لاهوتي، داعياً إلى "لاهوت ما بعد غزة" يركز على التضامن العالمي. في غزة، ساعد في تعزيز الروح المعنوية للمسيحيين، الذين يواجهون تهديداً وجودياً، كما في تقارير عن كنائس بيت لحم التي ألغت احتفالات عيد الميلاد احتجاجاً. عالمياً، ألهم تحالفات مع لاهوت التحرير الأسود، كما في الولايات المتحدة حيث يدعم نشطاء مسيحيون حملات المقاطعة والعقوبات. ومع ذلك، يواجه تحديات مثل النقد من الفاتيكان، الذي يرى فيه تسييساً للدين، خاصة بعد إدانة البابا فرانسيس للعنف دون التركيز الكافي على السياق الفلسطيني. كذلك، يُتهم بـ"المعاداة للسامية" من قبل اليمين الصهيوني، رغم رفضه للعنف ودعوته للسلام. بعد 2023، أدى التصعيد إلى "لاهوت التعاطف" الذي يدعو إلى فهم الآلام الفلسطينية، كما في كتب جديدة تناقش الجنوسايد اللاهوتي. هذا التأثير يمتد إلى الكنائس العالمية، حيث يشجع على إعادة قراءة النصوص لدعم العدالة.
في الختام، يمثل لاهوت التحرير الفلسطيني تحولاً جذرياً في اللاهوت المسيحي، محولاً الإيمان إلى أداة مقاومة ضد الاستعمار. من نشأته في القدس إلى دوره في أزمة غزة، يظل تياراً يدعو إلى عدالة شاملة، رغم التحديات. لمستقبله، يحتاج إلى تعزيز التحالفات العالمية لمواجهة الاستعمار، مما يجعله مصدر إلهام للشعوب المضطهدة. فهل يمكن الاعتماد على هذا الخيار في سبيل توحيد القوى الفلسطينية؟