لاهوت التحرير العربي الإسلامي
زهير الخويلدي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 08:13
المحور:
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
مقدمة
يشكل "لاهوت التحرير العربي الإسلامي" " تياراً فكرياً يجمع بين التراث الإسلامي والنضال الاجتماعي ضد الظلم والاستعمار، مستلهماً من لاهوت التحرير المسيحي اللاتيني الأمريكي، لكنه يتكيف مع السياق الإسلامي العربي. يركز هذا اللاهوت على تفسير النصوص الإسلامية (القرآن والسنة) كأداة للتحرير الاجتماعي والسياسي، مع التركيز على العدالة الاجتماعية، مقاومة الاستبداد، والتحرر من الهيمنة الاستعمارية والرأسمالية. نشأ في السبعينيات والثمانينيات كرد فعل على الهزائم العربية (مثل نكسة 1967) والديكتاتوريات، ويُمثل د حسن حنفي (1935-2021) أحد أبرز مؤسسيه، الذي طور "اللاهوت الإسلامي التحرري" كوسيلة للعدالة الاجتماعية والتحرر السياسي. يختلف عن اللاهوت المسيحي بتركيزه على مفهوم "التوحيد" كأساس للثورة ضد الطغيان، ويُرى كجسر بين الإسلام واليسار الثوري. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف نشأته، أبرز شخصياته، مبادئه، وتأثيره المعاصر، مستندة إلى تحليل مسترسل يجمع بين النظرية والسياقات العربية. فما المقصود باللاهوت الإسلامي التحرري؟
أولا: النشأة التاريخية والسياق العربي الاسلامي
نشأ لاهوت التحرير الإسلامي في السياق العربي كرد فعل على التحديات السياسية والاجتماعية في القرن العشرين، خاصة بعد هزيمة 1967 وصعود الديكتاتوريات العربية المدعومة غربياً. تأثر باللاهوت التحرري المسيحي اللاتيني، الذي طوره غوستافو غوتييريز، لكنه يعيد صياغته إسلامياً ليواجه الاستعمار والرأسمالية. في السبعينيات، بدأ المفكرون العرب مثل حسن حنفي في صياغة "اللاهوت الإسلامي التحرري" كبديل عن الإسلام السياسي التقليدي، مستندين إلى التراث الإسلامي ليصبح أداة للثورة الاجتماعية. يرى هذا اللاهوت في الإسلام "احتجاجاً وثورة"، حيث يعيد تفسير التوحيد كرفض للطاغوت (الطغيان)، والعدالة الاجتماعية كأمر قرآني (مثل قوله تعالى: "وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ").في السياق العربي، يرتبط بالهزائم السياسية والاقتصادية، مثل التحالفات بين الأنظمة العربية والرأسمالية العالمية، والتي أدت إلى تفاقم الفقر واللامساواة. كما تأثر بالثورة الإيرانية (1979) وكتابات الشهيد علي شريعتي ومرتضى مطهري، رغم أنها إيرانية، إلا أنها أثرت في العالم العربي من خلال أفكار علي شريعتي، الذي ربط بين الإسلام والماركسية للتحرير من الاستبداد. بحلول التسعينيات، امتد إلى نقد العولمة والتحالف بين الإسلام الرجعي والنيوليبرالية، كما في أعمال سامر أمين الذي رأى في الإسلام السياسي حليفاً للرأسمالية. هذا السياق جعل اللاهوت أداة لإعادة بناء الهوية العربية الإسلامية كمقاومة للهيمنة الغربية.
ثانيا: الشخصيات الرئيسية والمساهمات الفكرية
يُعتبر حسن حنفي أبرز ممثلي لاهوت التحرير العربي الإسلامي، الذي طور "اللاهوت الجديد" كأداة للتحرير الإنساني، مستنداً إلى إعادة قراءة التراث الإسلامي (التراث) ليصبح ثورياً. في أعماله، يرى حنفي أن الإسلام يعني "الاحتجاج والثورة"، ويربط بين التوحيد والعدالة الاجتماعية، مقترحاً إصلاحاً جذرياً للشريعة لصالح المهمشين. كتابه "التراث والتجديد" يعيد صياغة اللاهوت ليصبح أداة للعدالة الاجتماعية والتحرر من الديكتاتوريات.
من الشخصيات الأخرى، علي شريعتي (إيراني، لكنه مؤثر عربياً) الذي طور "الإسلام الثوري" كلاهوت تحرري، رابطاً بين التشيع والماركسية للنضال ضد الشاه، وأثر في الثورات العربية.
كذلك، محمد محمود طه (سوداني) الذي اقترح "الرسالة الثانية للإسلام" كلاهوت تحرري يدعو إلى الاشتراكية الديمقراطية والمساواة اللامشروطة.
هؤلاء جمعوا بين الهرمنيوطيقا (التأويل) والسياسة، مستخدمين القرآن كأساس للثورة، كما في تفسير "الجهاد" كنضال اجتماعي لا عنفي.
ثالثا: المبادئ الأساسية والتأثير المعاصر
تعتمد مبادئ اللاهوت على العدل الإلهي كأساس للثورة، حيث يرى في القرآن دعوة للعدالة الاجتماعية (مثل "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ"). يرفض الإسلام الرجعي المتحالف مع الرأسمالية، ويدعو إلى إصلاح الشريعة ليشمل المساواة اللامشروطة، حماية البيئة، والتحالف مع اليسار العالمي.
يؤكد لاهوت التحرير الاسلامي على "التوحيد" كرفض للطغيان البشري، وعلى طلب العلم كمكابدة معرفية والثقافة كوسيلة للتنوير والتربية طريقة للتقدم الاخلاقي و"الكدح" كنضال اجتماعي تحرري.
معاصرًا، يؤثر في الربيع العربي (2011) ونقد الأنظمة الاستبدادية، كما في فلسطين حيث يربط بين التحرير الإسلامي والمقاومة ضد الاحتلال، مقترحاً لاهوتاً تحررياً يواجه العولمة المتوحشة..
في 2025، يظل ذا صلة في مواجهة العولمة والفقر، كما في دعوات للاهوت تحرري يواجه "الإبادة في غزة".
ومع ذلك، يواجه نقداً لمزجه بالماركسية والوجودية، أو لعدم جذريته التامة في نقد التراث الإسلامي.
خاتمة
لاهوت التحرير العربي الإسلامي يمثل محاولة لإعادة صياغة الإسلام كقوة تحررية، محولاً الدين إلى أداة للعدالة الاجتماعية ضد الاستبداد والاستعمار. من خلال شخصيات مثل حسن حنفي، يظل تياراً يدعو إلى ثورة شاملة، رغم التحديات. في عصرنا، يحتاج إلى تجديد لمواجهة العولمة والصراعات، مما يجعله مصدر إلهام للعالم العربي الاسلامي في بناء مجتمعات عادلة. فهل يمكن التعويل على هذا التيار في التحرر التام؟