قراءة في مؤتمر اتحاد العام التونسي للشغل بين تدارك مواطن الخلل واعادة تشكيل المشهد النقابي وفق إحداثيات مستقبلية
زهير الخويلدي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 08:57
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
"على الرغم من عيوبها، فقد قدمت النقابات العمالية للبشرية أكثر مما قدمته أي منظمة بشرية أخرى على الإطلاق."
في المنستير، التي شهدت تاريخ تونس النضالي، انعقد المؤتمر العام السادس والعشرون للاتحاد العام التونسي للشغل أيام 25 و26 و27 مارس 2026، تحت شعار "ثابتون على المبادئ، منتصرون للحقوق والحريات". لم يكن هذا المؤتمر مجرد حدث تنظيمي روتيني يُجدّد فيه هياكل المنظمة النقابية الأبرز في تونس، بل كان لحظة فارقة في مسار الاتحاد الذي يواجه أزمة مركّبة غير مسبوقة، تجمع بين التصدّع الداخلي والضغوط الخارجية. يأتي هذا المؤتمر بعد تقديم موعده الأصلي (كان مقررا في 2027) إلى مارس 2026، في إشارة واضحة إلى الإرادة الجماعية لتدارك مواطن الخلل التي أصابت الجسم النقابي، وإعادة تشكيل المشهد النقابي وفق إحداثيات مستقبلية تتجاوز الدفاع عن الحقوق التقليدية إلى بناء استراتيجية مستدامة للمنظمة في سياق تونسي يتسم بالتحولات السياسية والاقتصادية الجذرية. فعما تمخض هذا المؤتمر؟ وفيم يختلف عن المؤتمرات السابقة؟ وهل يمكن أن يؤسس لمستقبل مشرق؟
من المعلوم أن الاتحاد العام التونسي للشغل، منذ تأسيسه، يعتبر عماد الحركة النقابية التونسية، وقد لعب دوراً محورياً في كل محطات النضال الوطني: من مقاومة الاستعمار إلى ثورة 2011 التي أسقطت نظاماً استبدادياً، مروراً بدوره في الحوار الوطني الذي أنقذ البلاد من الانهيار. غير أن هذه المنظمة، التي كانت رمزاً للوحدة والاستقلالية، واجهت في السنوات الأخيرة تحديات داخلية عميقة أدت إلى تراجع في قدرتها على التعبئة والتمثيل. من أبرز مواطن الخلل التي برزت في السنوات السابقة: البيروقراطية المتراكمة، ضعف التمثيلية النسائية والشبابية داخل الهياكل القيادية، الخلافات حول التجديد والتداول، والأزمة المالية الناجمة عن قرارات السلطة بإلغاء التفرغ النقابي والاقتطاع الآلي من أجور المنخرطين في الوظيفة العمومية والقطاع العام، مما حرم الاتحاد من موارد مالية هامة تقدر بملايين الدنانير شهرياً. هذه التحديات لم تكن مجرد إدارية، بل كانت تعكس أزمة هوية: هل يظل الاتحاد منظمة تقليدية تركز على الدفاع عن الحقوق الاجتماعية، أم يتحول إلى قوة نقابية حديثة قادرة على مواجهة الرقمنة، الاقتصاد الجديد، والضغوط السياسية التي تسعى إلى تهميش دورها؟
جاء المؤتمر ليُجيب على هذه الأسئلة بطريقة عملية وجريئة. في أجواء مشحونة بالتوتر، شهدت الجلسات نقاشات حادة حول شرعية الإجراءات التحضيرية، ودعوات من بعض المعارضة النقابية للطعن في المؤتمر نفسه، معتبرة إياه امتداداً لمسار تصفوي يُكرّس هيمنة مراكز نفوذ معينة. غير أن المؤتمر تجاوز هذه الخلافات بالمصادقة على التقريرين الأدبي والمالي، وبالأهم: إقرار تعديلات جوهرية على القانون الأساسي للمنظمة. كان أبرزها إلغاء الفصل 20 الذي أثار خلافات عميقة في الفترة السابقة، والعودة إلى الفصل 10 الذي يحدد عدد الدورات المتتالية لأعضاء المكتب التنفيذي (بما في ذلك الأمين العام) باثنتين فقط. هذا التعديل يُعدّ خطوة حاسمة في تدارك موطن خلل أساسي: الاستمرارية المفرطة في القيادة التي تؤدي إلى الجمود والانفصال عن القاعدة النقابية. بهذا، أراد المؤتمر أن يُعيد للاتحاد ديناميكية التداول والتجديد، مما يعزز الديمقراطية الداخلية ويمنع تحول الهياكل إلى مراكز قوة شخصانية.
أما الانتخابات التي اختتمت أشغال المؤتمر، فقد أفرزت مكتباً تنفيذياً جديداً برئاسة صلاح الدين السالمي أميناً عاماً، خلفاً لنور الدين الطبوبي الذي ترأس المؤتمر نفسه. هذا الانتقال في القيادة لم يكن مجرد تغيير أسماء، بل إشارة إلى إرادة إعادة تشكيل المشهد النقابي برمته. يُنتظر من السالمي، الذي يحظى بخبرة نقابية عميقة، أن يُعيد ترتيب البيت الداخلي، ويُعالج التصدّع الذي أضعف المنظمة، ويُواجه الضغوط الخارجية التي تستهدف استقلاليتها. كما أظهرت النتائج محاولات لتوسيع التمثيل، رغم استمرار محدودية حضور النساء في هياكل القرار، مما يُشكّل تحدياً مستقبلياً يتطلب استراتيجيات أكثر جرأة لدمج الأجيال الجديدة والفئات المهمشة.
في سياق إعادة التشكيل، يبرز المؤتمر كمحطة انتقالية نحو إحداثيات مستقبلية واضحة.
أولاً، التمسك بالمبادئ الأساسية: الدفاع عن الحقوق والحريات في وجه أي تضييق سياسي أو اقتصادي. ثانياً، التحول النقابي الشامل والمستدام، الذي يتجاوب مع التحولات البنيوية في سوق الشغل: الرقمنة المتسارعة، ظهور اقتصاد المنصات والعمل المرن، والأزمة الاقتصادية التونسية التي تتطلب من النقابات أن تكون شريكاً في صياغة السياسات لا مجرد معارضاً.
ثالثاً، بناء تحالفات داخلية وخارجية: توحيد الصف النقابي عبر تجاوز الخلافات، وتعزيز التضامن مع المنظمات الدولية لمواجهة الضغوط المحلية.
رابعاً، التركيز على الاستدامة المالية والتنظيمية، من خلال تطوير موارد بديلة وآليات رقابة شفافة تمنع أي انحراف.
غير أن هذه الإحداثيات المستقبلية لا تخلو من تحديات. فالسلطة السياسية، في سياقها الحالي، تسعى إلى تهميش الدور النقابي التقليدي، مما يتطلب من الاتحاد الجديد استراتيجية ذكية تجمع بين الحوار والتصعيد المدروس. كما أن التصدّع الداخلي، رغم تداركه جزئياً، قد يعود إذا لم تُعالج جذوره: غياب الشفافية، ضعف التواصل مع القواعد، والحاجة إلى نموذج نقابي يستوعب التنوع الاجتماعي التونسي (شباب، نساء، قطاع خاص، اقتصاد أخضر). هنا تكمن أهمية المؤتمر كـ"نقطة تحول" لا كـ"نهاية أزمة"؛ إذ يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف دور الاتحاد كقوة اجتماعية فاعلة في بناء تونس المستقبلية، دولة العدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقيقية. في الواقع، " تُعدّ تمثيلية النقابات العمالية حجر الزاوية في الديمقراطية الاجتماعية، إذ تُضفي الشرعية على القدرة على التفاوض وتوقيع الاتفاقيات الجماعية. وتستند هذه التمثيلية إلى استقلالية المنظمات النقابية وشفافيتها المالية ونفوذها".
في الختام، يُمثّل مؤتمر المنستير 2026 نموذجاً للنقابات في العالم العربي: كيف تُدار الأزمات الداخلية لتصبح فرصة للتجديد، وكيف تُواجه المنظمات النقابية الضغوط السياسية دون فقدان استقلاليتها. بين تدارك مواطن الخلل (القانونية، المالية، التمثيلية) وإعادة تشكيل المشهد النقابي (بالتجديد والتحول)، رسم المؤتمر إحداثيات مستقبلية تُعيد للاتحاد دوره التاريخي كحارس للحقوق وصانع للتغيير. فهل يكون المكتب التنفيذي الجديد في مستوى الانتظارات المأمولة؟