مابين العقيدة والسياسة: تفكيك -الاستماتة- الإيرانية
كمال غبريال
الحوار المتمدن
-
العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 20:57
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هذه الاستماتة الإيرانية الانتحارية
- هل هي عمق إيمان ديني؟
- أم شدة تمسك بقضية؟
- أم هو ضغط بخار الكراهية المحتبس بالصدور؟
تظهر إيران في كثير من المحطات الدولية وكأنها تمارس سياسة "حافة الهاوية" بروح قتالية يصفها المراقبون أحياناً بالانتحارية. هذا الاندفاع ليس مجرد قرار عسكري عابر، بل هو نتاج تفاعل عميق بين ثلاثة روافد أساسية:
1. الإيمان الديني: الأيديولوجيا كدرع
لا يمكن فهم السلوك الإيراني بمعزل عن البعد المهدوي وعقيدة "كربلاء". بالنسبة للنظام وللقاعدة الصلبة من مؤيديه، الموت في سبيل القضية ليس "فناءً" بل هو "انتصار مطلق".
• ثقافة الشهادة: يتم استحضار المظلومية التاريخية وتوظيفها لتحويل الصراع السياسي إلى صراع وجودي مقدس.
• العمق الإيماني: يوفر هذا البعد طاقة استمرار هائلة ترفض الاستسلام، حيث يُنظر إلى التراجع كخيانة للمبادئ الغيبية التي تأسست عليها الثورة.
2. التمسك بالقضية: مشروع النفوذ الإقليمي
بعيداً عن الميتافيزيقيا، هناك واقعية سياسية شرسة. إيران ترى نفسها قوة إقليمية عظمى محاصرة، وتعتبر "القضية" (سواء كانت فلسطين أو بسط النفوذ في الهلال الخصيب) هي خط الدفاع الأول عن أمنها القومي.
• الدفاع الهجومي: الاستماتة هنا ليست رغبة في الانتحار، بل هي استراتيجية لحماية "الداخل" عبر خوض المعارك في "الخارج".
• السيادة القومية: يمتزج الشعور القومي الفارسي بالأهداف السياسية، مما يجعل التنازل عن أي مكتسبات بمثابة انهيار للمشروع التاريخي الذي تم بناؤه عبر عقود.
3. ضغط "بخار الكراهية": المظلومية والندية
وهنا يأتي البعد السيكولوجي.
مخزون الكراهية المقدسة للكفار أعداء الإله. وما يترتب عليه من تصور قدر مماثل من استهداف موتور من قبل الآخر العدو الذي تم شيطنته طوال عقود أو حتى قرون.
هذا غير شعور متراكم بالاستهداف الدولي، والعقوبات الاقتصاديّة، والعداء التاريخي مع القوى الغربية.
• الاحتقان النفسي: يتحول هذا "البخار المحتبس" من الكراهية للخصوم والشعور بالظلم إلى وقود للمواجهة.
• الندية القسرية: الاستماتة هي رد فعل على محاولات التحجيم؛ حيث يولد الضغط الخارجي رغبة عارمة في إثبات الذات، ولو كلف ذلك أثماناً باهظة.
الخلاصة
إن ما يبدو "انتحاراً" في العرف السياسي التقليدي، هو في المنظور الإيراني فعل مقاومة يمزج بين يقين المؤمن، وعناد السياسي، وغضب المحاصر. هي حالة تتداخل فيها الصرخة الدينية مع الحسابات الجيوسياسية لتخلق هذا المشهد المعقد الذي يراه العالم اليوم.
كيف تتحول "الأيديولوجيا" إلى "استراتيجية"؟
عندما تجلس القيادة الإيرانية لاتخاذ قرار مصيري، فإن هذه العوامل لا تعمل بشكل منفصل، بل كتروس في آلة واحدة:
أولاً: في الملف النووي (الاستماتة كأداة تفاوض)
هنا يبرز "ضغط بخار الكراهية" سواء الكراهية المقدسة أم الشعور بالظلم الدولي.
• ترى إيران أن امتلاك التكنولوجيا النووية ليس مجرد هدف تقني، بل هو إعلان عن "الندية" وكسر الهيمنة الغربية.
• الاستماتة في هذا الملف، رغم العقوبات الخانقة، تنبع من قناعة بأن التراجع يعني "الاستسلام المهين"، وهو ما يتنافى مع العمق الإيماني الذي يمجد الصمود.
ثانياً: في الساحات الإقليمية (القضية كدرع وقائي)
في ملفات مثل سوريا، لبنان، واليمن، والعراق تظهر "الاستماتة الانتحارية" من خلال الدعم اللامحدود للحلفاء:
• البعد العقدي: يتم تأطير هذه المعارك كجزء من "محور المقاومة" الممهد لظهور العدالة الإلهية.
• التمسك بالقضية: تعتبر إيران أن سقوط أي حليف هو وصول النيران إلى حدودها المباشرة. لذا، فإن إنفاق المليارات وسط أزمة اقتصادية داخلية هو "انتحار اقتصادي" من أجل "بقاء سياسي".
ثالثاً: سيكولوجية "الصبر الاستراتيجي"
تستخدم إيران مزيجاً غريباً من الاندفاع والهدوء:
1. تفريغ البخار: أحياناً تقوم بعمليات "انتحارية" أو تصعيدية محسوبة لتفريغ الاحتقان الداخلي وإرسال رسالة قوة.
2. استثمار المظلومية: يتم تحويل كل ضربة تتلقاها الدولة إلى وقود جديد لتعزيز الإيمان الديني بضرورة المواجهة الحتمية.
التحدي القادم: هل ينفجر القدر؟
السؤال الذي يطرحه الخبراء الآن: إلى أي مدى يمكن لهذا "البخار" أن يظل محتبساً؟
• إذا زاد الضغط الخارجي (عقوبات أو ضربات عسكرية) دون وجود "صمام أمان" (اتفاقيات أو انفراجة)، فقد تتحول هذه الاستماتة من فعل سياسي مدروس إلى انتحار جماعي يجر المنطقة لمواجهة شاملة.
الشارع الإيراني: بين "عقيدة التضحية" و"فاتورة البقاء"
يمكن تقسيم المجتمع الإيراني تجاه هذه الاستماتة إلى ثلاث فئات رئيسية، لكل منها رؤيتها الخاصة للثمن الذي تدفعه الدولة:
1. القاعدة "الأيديولوجية" (الوقود البشري)
هذه الفئة تتبنى بالكامل رواية النظام. بالنسبة لهم، الاستماتة ليست انتحاراً بل "واجب شرعي".
• المحرك: إيمان ديني عميق بأن المعاناة الاقتصادية هي "ابتلاء" يسبق النصر.
• الموقف: مستعدون للتضحية بالرفاهية مقابل كرامة المشروع الإسلامي والنفوذ الإقليمي. هم "الصوت العالي" في الميادين والجبهات.
2. الطبقة المتوسطة والشباب (الجيل المتذمر)
هنا يظهر التناقض الصارخ. هذا الجيل يرى في الاستماتة الخارجية "تبديداً لمستقبله".
• الرؤية: يتساءلون: "لماذا نستميت في غزة أو لبنان أو اليمن بينما تنهار العملة المحلية (التومان)؟".
• الضغط: بالنسبة لهؤلاء، "بخار الكراهية" ليس موجهاً للخارج فقط، بل هو احتقان داخلي ضد سياسات يراونها "مغامرات غير محسوبة" يدفعون ثمنها من فرص عملهم وحرياتهم.
3. "الأغلبية الصامتة" (تحت مطرقة العقوبات)
هذه الفئة تهتم بالبقاء اليومي. العقوبات الناتجة عن "الاستماتة السياسية" حوّلت حياتهم إلى صراع لتأمين السلع الأساسية.
• الشعور العام: حالة من الإجهاد النفسي (Fatigue). لم يعودوا يكترثون بالشعارات الكبرى، بل يريدون "حياة طبيعية".
مفارقة "الهوية القومية"
رغم الغضب الشعبي، هناك نقطة يلتقي فيها المعارض والمؤيد أحياناً: الكرامة الوطنية.
إيران بارعة في تصوير أي ضغط خارجي على أنه "إهانة لكل إيراني"، مما يدفع البعض (حتى من غير المتدينين) للوقوف خلف الدولة في لحظات التهديد العسكري المباشر، وهو ما يمنح النظام "عمراً إضافياً" لمواصلة استماتته.
هل ينكسر القوس؟
إن استمرار النظام في سياسة "الاستماتة" يعتمد على قدرته على موازنة هذا الاحتقان الداخلي بنوعيه، احتقان كراهية للآخر العدو، واحتقان غضب على النظام الذي جعل الحياة ورطة كارثية. إذا وصل هذا النوع الأخير من "بخار الكراهية" الداخلي إلى مستوى يتجاوز "بخار الكراهية" للخارج، فقد نشهد انفجاراً يغير قواعد اللعبة من الداخل قبل أن تفعلها أي قوة خارجية.